كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدِّينِ الْجَامِعِ بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَمِنْ التَّحْرِيمَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} وَكَمَا أَخْبَرَ عَمَّا ذَمَّهُ مِنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي دِينِهِمْ وَتَحْرِيمِهِمْ حَيْثُ قَالَ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} إلَى آخِرِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْبَاطِلَةِ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ وَمِنْ الْإِبَاحَةِ الْبَاطِلَةِ فِي قَتْلِ الْأَوْلَادِ وَمِنْ التَّحْرِيمَاتِ الْبَاطِلَةِ مِنْ السَّائِبَةِ وَالْبَحِيرَةِ وَالْوَصِيلَةِ والحام وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَذَمَّ الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَتَحْرِيمَاتِهِمْ وَإِبَاحَتِهِمْ. وَذَمَّ النَّصَارَى فِيمَا تَرَكُوهُ مِنْ دِينِ الْحَقِّ وَالتَّحْرِيمِ كَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى الدِّينِ الْبَاطِلِ فِي قَوْلِهِ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} وَأَصْنَافَ ذَلِكَ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَسَائِرِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّات. وَمِنْ الْمَكْرُوهَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا نَهْيَ حَظْرٍ أَوْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: عَقْلِيٍّ وملي وَشَرْعِيٍّ. وَالْمُرَادُ بِالْعَقْلِيِّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَقْلِ مِنْ بَنِي آدَمَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُمْ صِلَةُ كِتَابٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَالْمُرَادُ بالملي: مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمِلَلِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ وَالْمُرَادُ بِالشَّرْعِيِّ مَا اخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخُصُّ مِنْ ذَلِكَ مَا اخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ مَذْهَبٍ أَوْ أَهْلُ طَرِيقَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. لَكِنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ وَالِامْتِيَازَ لَا تُوجِبُهُ شَرِيعَةُ الرَّسُولِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا قَدْ تُوجِبُهُ مَا قَدْ تُوجِبُ بِتَخْصِيصِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ وَالْأُمَرَاءِ فِي اسْتِفْتَاءٍ أَوْ طَاعَةٍ كَمَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ كُلِّ غَزَاةٍ طَاعَةُ أَمِيرِهِمْ وَأَهْلِ كُلِّ قَرْيَةٍ اسْتِفْتَاءُ عَالِمِهِمْ الَّذِي لَا يَجِدُونَ غَيْرَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمَا مِنْ أَهْلِ شَرِيعَةٍ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَفِي شَرْعِهِمْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ فَإِنَّ مَأْمُورَاتِهِمْ وَمَنْهِيَّاتِهِمْ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ وَمَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ. وَأَمَّا السِّيَاسَاتُ الْمَلَكِيَّةُ الَّتِي لَا تَتَمَسَّكُ بِمِلَّةِ وَكِتَابٍ: فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فَإِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ لَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ فِي كُلِّ سِيَاسَةٍ وَإِمَامَةٍ. وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ لِكُلِّ مَلِكٍ مِنْ خَصِيصَةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إلَّا رِعَايَةَ مَنْ يُوَالِيهِ وَدَفْعَ مَنْ يُعَادِيهِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْأَمْرِ بِمَا يَحْفَظُ الْوَلِيَّ وَيَدْفَعُ الْعَدُوَّ كَمَا فِي مَمْلَكَةِ جنكيزخان مَلِكِ التُّرْكِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُلُوكِ. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ لَهُمْ مِلَّةٌ صَحِيحَةٌ تَوْحِيدِيَّةٌ وَقَدْ يَكُونُ لَهُمْ مِلَّةٌ كفرية وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُمْ مِلَّةٌ بِحَالِ. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ دِينُهُمْ مِمَّا يُوجِبُونَهُ وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا يَسْتَحِبُّونَهُ. وَوَجْهُ الْقِسْمَةِ أَنَّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ الْعُقَلَاءِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أُمُورٍ يُؤْمَرُونَ بِهَا وَأُمُورٍ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015