وهكذا في كل الفواصل القرآنية .. بل وكل كلمات القرآن، حيث جاءت كلها في مكانها اللائق بها.

أمثلة عملية:-

ونضرب بعض الأمثلة لبيان الإعجاز والبلاغة في استخدام الفاصلة القرآنية، اقرأ قوله تعالى:

(إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:118).

إنك تتساءل سراً:

لماذا لم تنته الآية "فإنك أنت الغفور الرحيم" .. مع أن السياق يوحي بالغفران؟

ولكن إذا ما أمعنت النظر في الآية وجدت أن الذي استحق العذاب لا يستطيع أن يغفر له إلا من كانت سلطته أعلى السلطات .. وقوته أعظم القوى .. وعزته فوق كل عزة.

ومن كان كذلك وجب أن يكون متصفاً بالحكمة التي يرفضها العقل والمنطق السليم .. وينأى عنها الحمق والتسرع والظلم والتهور.

وإذا وجدت الفاصلة جاءت بالعزة مقرونة بالحكمة .. فاعلم أن القادر على العقاب عزيز دائماً .. ولكن ليس كل عزيز عادلاً.

فكم من ملوك وحكام ورؤساء ومن بيدهم سلطان على الناس في هذه الدنيا ملكوا العزة .. إلا أنهم فقدوا الحكمة التي يسندها العدل والعقل والسلوك المستقيم.

أفلا تجد الآن أن ربط الحكمة بالعزة تعبير رائع .. وتصوير جامع .. وبيان قاطع لخالق عزيز حكيم؟

(التعبير الفني في القرآن للدكتور/ بكري شيخ أمين دار الشروق).

وأنا أرى فيها وجها آخر من الإعجاز .. وهو أن عيسى عليه السلام لما غالى النصارى فيه وجعلوه إلها فأراد أن يبرأ ساحته ويعلن أن أمر هؤلاء بيد الله .. فلا شأن له بهم .. ولا عاطفة تجاههم .. فإن شئت يا رب عذبهم أو ارحمهم .. فهم عبادك أنت وحدك وأنا مثلهم لا أملك لأحد ضراً ولا نفعاً .. وهذا يدل على قمة التوحيد والعبودية لله عز وجل.

ولو أردت زيادة بيان فقارن بين دعوة إبراهيم:

(رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

وبين دعوة عيسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -فلما اختلفت المواقف اختلفت العبارة.

فعيسى عليه الصلاة والسلام قالها في موقف الحساب وتبكيت الكفار بذنوبهم وقد علم حكم الله تعالى في من مات على الشرك .. فجاءت عبارته مظهرة الأدب مع الله تعالى ومؤكدة الإرادة المطلقة لله تعالى فكأن المعنى:

"إنك لو غفرت لهؤلاء مع سبق حكمك فيهم فمن يحول بينك وبين ذلك وأنت العزيز الذي لا غالب لك وأنت الحكيم الذي ليس في أفعالك ما هو عبث".

فهو يقول:

أما إبراهيم عليه الصلاة والسلام السلام فكلامه هذا في تقرير حال الدعوة والمدعوين في الحياة الدنيا:

"إن من تبعني على توحيدك وعدم الإشراك بك فهو مني وعلى طريقتي وملتي التي هديتني إليها.

أما من خالفني وعصاني فأمره إليك إن غفرت لهم ورحمتهم فهذه صفتك".

وهذا من النبيين الكريمين في غاية الأدب مع الله تعالى.

ولأن إبراهيم -عليه السلام - لم يغال فيه قومه .. ولم يرفعوه فوق البشر كان مناسباً أن يستمطر لقومه رحمة الله -عز وجل - بخلاف موقف عيسى عليه السلام.

وفي هذا القدر كفاية .. على أمل مواصلة التدبر في بعض الفواصل القرآنية إن قدر الله ذلك .. وأعان.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ـ[فَصَبْرٌ جَمِيلْ]ــــــــ[07 - Oct-2010, مساء 10:27]ـ

جزاك الله خيرا

طور بواسطة نورين ميديا © 2015