- وهو ما رواه جابر رضي الله عنه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمّى فيه الإحداث ابتداعا بلفظ: ((إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة)) (مسلم).

ومقتضى هذا الاستدلال أن قراءة القرآن الكريم جماعة على الطريقة المعهودة محدثة ولا أشرّ من الإحداث في أمر الدين، فهو الابتداع المنهي عنه.

التحقيق العلمي:

إن التحقيق العلمي ينتهي إلى أن البدعة المنهي عنها في دين الله عزّ وجلّ لها شرطان:

الأول: أن تكون حادثة لم تكن في الصدر الأول.

والثاني: أن تناقض أصلاً من أصول الإسلام قرآنًا أو حديثًا نبويًّا شريفًا أو إجماعاً.

فإذا اجتمع الشرطان كان الأمر المحدَث هو البدعة الضلالة الذي يُحمل عليه حديث ((كل بدعة ضلالة)) (سبق تخريجه).

ويحمل عليه أيضا قولُ الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه فيما رواه عنه ابن الماجشون ():» مَن ابتدع في الإسلام بدعة يَراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأنّ الله يقول: ?اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا? (المائدة/03) فما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون اليوم دينا «().

أما إذا لم يجتمع الشرطان فإما أن يكون الأمر غير محدث أصلا بل كان موجودا في الصدر الأول فلا يكون بدعة، أو أن يكون محدثا ولكنه لا يناقض أصلا من كتاب أو سنة أو إجماع فلا يكون حينئذ بدعة أيضا.

وإن أطلق اسم البدعة عليه فإنما هو إطلاق بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الديني الاصطلاحي.

- ويستدل لذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من سنّ في الإسلام سنّة حسنةً يعمل بها من بعده كان له أجرها، ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا؛ ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة يعمل بها من بعده، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص شيئا)) (مسلم والنسائي).

فالأمر المحدث إن كان حسنا فمقبول وإن كان قبيحا فممنوع؛ والقبيح ما ناقض أصلا من أصول الشريعة، والحسن ما وافقها.

- ويستدل أيضا بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن صلاة التراويح: (نعمت البدعة هذه) (البخاري).

وقد حمل العلماء قوله على المعنى اللغوي للبدعة. فقال شيخ الإسلام ابن تيمية () رحمه الله:» وهذا الذي فعله هو سنة لكنه قال ((نعمت البدعة هذه)) (سبق تخريجه.) فإنها بدعة في اللغة لكونهم فعلوا ما لم يكونوا يفعلونه في حياة رسول الله «().

- وعلى نفس هذا الوجه يتأوّل إحداث عثمان بن عفان رضي الله عنه للأذان الثالث لصلاة الجمعة كما روى ذلك السائب بن يزيد رضي الله عنه: ((كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما كان زمان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء)) (البخاري والنسائي).

فالقاعدة في كل أمر محدث قبل أن نصدر حكم الله فيه، أن نعرضه على أدلة الكتاب والسنة والإجماع، فيكون حكمه ما نصت عليه هذه الأدلة بغضِّ النظر عن كونه محدثا أو غير محدث.

قال شهاب الدين القرافي ():» البدعة إذا عَرضت تُعْرض على قواعد الشريعة وأدلتها، فأي شيء تناولها من الأدلة والقواعد ألحقت به «().

وربّ تصرف محدث يصحّ إطلاق اسم البدعة عليه في اللغة، ولكنه في ميزان الشرع سنّةٌ أو واجبٌ.

قال مجد الدين بن الأثير ():» البدعة بدعتان بدعة هُدًى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حِيِّز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحضّ عليه الله أو رسوله فهو في حيِّز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل له في ذلك ثوابًا فقال: ((مَنْ سَنَّ سُنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها)) (سبق تخريجه) وقال في ضده: ((ومَن سَنَّ سُنّة سَيئة كان عليه وزرها ووزر مَن عَمل بها)) (سبق تخريجه)، وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلّى الله عليه وسلم «().

وعلى هذا فهل قراءة القرآن الكريم جماعة على طريقة الحزب الراتب بدعة؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015