قُلْت: وَكِتَابُ (السِّرِّ) وَقَفْت عليه في كُرَّاسَةٍ لَطِيفَةٍ من رِوَايَةِ الْحَارِثِ بن مِسْكِينٍ عن عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ عن مَالِكٍ، وهو يَشْتَمِلُ على نَوَادِرَ من الْمَسَائِلِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْخُلَفَاءِ، ولأجل هذا سُمِّيَ كِتَابُ السِّرِّ، وَفِيهِ هذه الْمَسْأَلَةُ. وقد رَوَاهُ أَحْمَدُ بن أُسَامَةَ التُّجِيبِيُّ وَهَذَّبَهُ وَرَتَّبَهُ على الْأَبْوَابِ وَأَخْرَجَ له أَشْبَاهًا وَنَظَائِرَ في كل بَابٍ، وَرَوَى فيه من طَرِيقِ مَعْنِ بن عِيسَى: سَأَلْت مَالِكًا عنه؛ فقال: ما أَعْلَمُ فيه تَحْرِيمًا. وقال ابن رُشْدٍ في كِتَابِ (الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ في شَرْحِ الْعُتْبِيَّةِ): رَوَى الْعُتْبِيُّ عن ابن الْقَاسِمِ عن مَالِكٍ أَنَّهُ قال له وقد سَأَلَهُ عن ذلك مُخَلِّيًا بِهِ؛ فقال: حَلَالٌ ليس بِهِ بَأْسٌ. قال بن الْقَاسِمِ: ولم أُدْرِك أَحَدًا أقتدي بِهِ في دِينٍ يَشُكُّ فيه، وَالْمَدَنِيُّونَ يَرْوُونَ الرُّخْصَةَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم. يُشِيرُ بِذَلِكَ إلى ما روى عن بن عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ.
وقال: ما تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عن الْمَالِكِيَّةِ لم يُنْقَلْ عن أَصْحَابِهِمْ إلَّا عن نَاسٍ قَلِيلٍ، قال الْقَاضِي عِيَاضٌ: كان الْقَاضِي أبو مُحَمَّدٍ عبد اللَّهِ بن إبْرَاهِيمَ الْأَصِيلِيُّ يُجِيزُهُ وَيَذْهَبُ فيه إلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وَصَنَّفَ في إبَاحَتِهِ محمد بن سَحْنُونٍ وَمُحَمَّدُ بن شَعْبَانَ وَنَقَلَا ذلك عن جَمْعٍ كَثِيرٍ من التَّابِعِينَ، وفي كَلَامِ بن الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيِّ ما يومي إلَى جَوَازِ ذلك أَيْضًا، وَحَكَى ابن بَزِيزَةَ في تَفْسِيرِهِ عن عِيسَى بن دِينَارٍ أَنَّهُ كان يقول: هو أَحَلُّ من الْمَاءِ الْبَارِدِ.
وَأَنْكَرَهُ كَثِيرٌ منهم أَصْلًا، وقال الْقُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ وابن عَطِيَّةَ قَبْلَهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ بِذَلِكَ وَلَوْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَةُ فيه لِأَنَّهَا من الزَّلَّاتِ. وَذَكَرَ الْخَلِيلِيُّ في الْإِرْشَادِ عن ابن وَهْبٍ: أَنَّ مَالِكًا رَجَعَ عنه. وفي مُخْتَصَرِ بن الْحَاجِبِ عن ابن وَهْبٍ عن مَالِكٍ إنْكَارُ ذلك وَتَكْذِيبُ من نَقَلَهُ عنه. لَكِنَّ الذي رَوَى ذلك عن ابن وَهْبٍ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ.
وَالصَّوَابُ ما حَكَاهُ الْخَلِيلِيُّ، فَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عن يُونُسَ بن عبد الْأَعْلَى عن ابن وَهْبٍ عن مَالِكٍ أَنَّهُ أباحه. رَوَى الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ من طَرِيقِ الْمُزَنِيِّ قال: كُنْت عِنْدَ ابن وَهْبٍ وهو يَقْرَأُ عَلَيْنَا رِوَايَةَ مَالِكٍ فَجَاءَتْ هذه الْمَسْأَلَةُ فَقَامَ رَجُلٌ فقال: يا أَبَا مُحَمَّدٍ ارْوِ لنا ما رَوَيْت، فَامْتَنَعَ أَنْ يَرْوِيَ لهم ذلك؛ وقال: أحدكم يَصْحَبُ الْعَالِمَ فإذا تَعَلَّمَ منه لم يُوجِبْ له من حَقِّهِ ما يَمْنَعُهُ من أَقْبَحِ ما يُرْوَى عنه. وَأَبَى أَنْ يَرْوِيَ ذلك.
وَرُوِيَ عن مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ وَتَكْذِيبُ من نَقَلَهُ عنه من وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ في الرُّوَاةِ عن مَالِكٍ من طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بن حِصْنٍ عن إسْرَائِيلَ ابن رَوْحٍ قال: سَأَلْت مَالِكًا عنه؛ فقال: ما أَنْتُمْ قَوْمُ عَرَبٍ هل يَكُونُ الْحَرْثُ إلَّا مَوْضِعَ الزَّرْعِ؟ قُلْت: يا أَبَا عبد اللَّهِ إنَّهُمْ يَقُولُونَ ذلك. قال: يَكْذِبُونَ عَلَيَّ. وَالْعُهْدَةُ في هذه الْحِكَايَةِ على إسْمَاعِيلَ فإنه وَاهِي الحديث. وقد رَوَيْنَا في (عُلُومِ الحديث) لِلْحَاكِمِ قال نَا أبو الْعَبَّاسِ محمد بن يَعْقُوبَ، نَا الْعَبَّاسُ بن الْوَلِيدِ الْبَيْرُوتِيُّ، نَا أبو عبد اللَّهِ بِشْرُ بن بَكْرٍ، سَمِعْت الْأَوْزَاعِيَّ يقول: يُجْتَنَبُ أو يُتْرَكُ من قَوْلِ أَهْلِ الْحِجَازِ خَمْسٌ، وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسٌ، من أَقْوَالِ أَهْلِ الْحِجَازِ: اسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي وَالْمُتْعَةُ وَإِتْيَانُ النِّسَاءِ في أَدْبَارِهِنَّ وَالصَّرْفُ وَالْجَمْعُ بين الصَّلَاتَيْنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: شُرْبُ النَّبِيذِ وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ حتى يَكُونَ ظِلُّ الشَّيْءِ
¥