ـ[القارئ المليجي]ــــــــ[26 - Sep-2010, صباحاً 10:50]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأفاضل،
حول تفسير قوله - سبحانه وتعالى -: قوله - سبحانه - في الآية (76): {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76].
يقول الشيخ/ عبد الرحمن بن محمد الدوسري - رحمه الله - في كتابه "صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن العظيم" المجلد الخامس:
لما حثَّ الله المؤمنين في الآية السابقة على الجهاد والقتال بكلِّ حرارة، وأوضح لهم بعض العِلَل الدَّاعية إلى وجوبه وتحتيمه، وهي استضعاف المسلمين وفتنتهم عن دِينهم، والمحاولة الشِّريرة لمصادرة عقولهم وعقيدتهم، وأنَّ مَن يُسمَّوْن بالمواطنين يجب قتالهُم إذا ظلموا المسلمين لهذا الغرض الخبيث، واعتبار الوطن دار حرب مهما كانت قداسته إذا كان أهلُه على هذه الحال الكافرة؛ إذْ لا موطن أقدس من مكَّة المكرمة، وأشرف وأحبَّ عند الله ورسوله، فلما تلوَّثَت بالكفر أوجب الله سفْكَ الدَّم فيها لأعداء المعتنِقين دينَه، والذين يصدُّون عن سبيله، فلا تُعِيذهم مكَّة، ولا تحميهم قداستُها بما فيها الكعبة؛ ولهذا أمر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بقتل المتعلِّقين بأستار الكعبة من الكفَّار يوم الفتح؛ إعلامًا لأمَّته إلى يوم القيامة بأنَّ حرمة دين الله الإسلام الصَّحيح أعظم من حرمة الكعبة، وأنَّها لا تُعِيذ الكفَّار والمؤْذِين لمعتنقي الإسلام الحقيقي، وقد ورَد الحديث بأنَّ حرمة المؤمن عند الله أعظم منها، فإذا كانت "مكة" ليست موطنًا للمؤمنين إذا سَيطر عليها الكفَّار، وتسَلَّطوا على المؤمنين، بل كانت دار حرب يجب على المسلمين غَزْوُها وقتال أهلها، فكيف بما سِوَاها من كلِّ بلد لا يَحكم بحكم الإسلام ويُساء إلى المسلمين فيه، أو يُفتَن أولادهم عن الإسلام بسوء التَّربية ووسائل التوجيه الأخرى؟ لا شكَّ أن البلدة المحكومة بغير حكم الإسلام والتي يُفتن فيها المسلمون فتنة حسِّية، أو يُفتن فيها أولادهم فتنة معنوية بمناهج التربية والتعليم وسائر أنواع البثِّ والتوجيه المخالِف للإسلام وأخلاقه، إنَّها بهذه الحال "دار حرب" ولو كانت مسْقطَ رؤوسهم، فليست موطنًا للمسلمين، ولا يجب عليهم الدِّفاع عنها، وإنما وطن المُسْلِم الذي يجب عليه الدِّفاع عنه والجهادُ من أجْلِه هو البلد الذي تُقَام فيه شريعة الله، وتُرفع فيه رؤُوس المؤمنين.
وجميع التصوُّرات المخالفة لهذا فهي تصوُّرات جاهلية شيطانية؛ ولهذا جاءت هذه الآية السادسة والسبعون من سورة النساء تَرْسم الأهداف، وتوضِّح الدَّوافع والغايات، وتبيِّن للمكلَّفين أنَّ العبرة ليست بصورة الجهاد والقتال، وإنَّما العبرة بمقاصدهما والبواعثِ عليهما؛ فإنَّ القتال في حدِّ ذاته شيءٌ قبيح مستَبْشَع، ولا يُجِيز العقل السَّليم والشرع العادل ما كان قبيحًا إلاَّ لإزالة ما هو أقبح منه من الظُّلم والشُّرور، ومقابلة نِعَم الله بالكفر، والأمور بمقاصدها وغاياتها.
فلهذا كشف الله الفوارق والشُّبهات عن قتال الفريقين في قوله - سبحانه -: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76]؛ يعني أنَّ المؤْمِنين الصادقين يُخْلِصون مقاصدهم لله في القتال؛ إيقانًا بوعده ووعيده، فيقاتِلُون في سبيل الله لإعلاء كلمته، وتحقيق منهجه، وتحكيم شريعته التي شرَعَها لعباده، وقصَر تحاكُمَهم عليها، وإقامة العدل الذي أمر بإقامته، ورعاية الأمانات التي أمَر بِحُسن رعايتها، والقوَّة في أدائها، ومن أعظمها حَمْل رسالته ونور هدايته، وأخْذُ كتابه بقوَّة، فإنَّ هذا سبيلُ الله في الذي يقاتِل المسْلِمون فيه، مِن أجْلِ تحقيقه، مستَنِدين إلى ولاية الله - سبحانه - وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيرًا، نِعْم المولى ونعم النصير.
¥