وهذا للترجي ... والله أعلم.

شكرا لكما .. بارك الله فيكما ونفع بكما.

ـ[عدنان البخاري]ــــــــ[26 - عز وجلec-2009, مساء 09:08]ـ

/// ولعلِّي أسوق ما عندي منها بعدُ، وهي غاية في الوعيد والقطع بعدم العفو.

/// من الأدلة: حديث أبي هريرة عند مسلمٍ وغيره: أنَّ رسول الله e قال: «أتدرونَ من المفْلِس؟

قالوا: المُفْلِسُ فينا من لا درهم له ولا متاع.

فقال: إنَّ المفلس من أمَّتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ، وصيامٍ، وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقَذَف هذا، وأكَلَ مال هذا، وسَفَكَ دم هذا، وضَرَب هذا، فيُعْطَى هذا من حَسَنَاتِهِ، وهذا من حَسَنَاتِهِ، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقْضَى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طُرِح في النار».

/// وأشد منه في الوعيد والتخويف ما جاء في وعيد من قاتل في سبيل الله مجاهدًا، وقد يقتل فيه شهيدًا .. ومن المعلوم أنَّ الشَّهيد يكفِّر الله عنه كلَّ حسناته حتى الكبائر، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ومع ذلك فانظروا إلى هذه الأحاديث المحرِّجة على مظالم العباد:

/// من ذلك حديث أبي قتادة t، عند مسلم وغيره: «أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، أرأَيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سبيل الله، تكفِّرُ عنِّيْ خَطَايَايَ؟ فقال له رسول الله e: نعم، إن قُتِلْتَ في سبيل الله وأنت صابرٌ، محتسبٌ، غير مُدْبِرٍ.

ثم قال رسول الله e: كيف قلت؟ قال: أرَأَيْتَ إن قتلت في سبيل الله أتكفِّرُ عنِّي خطايَايَ؟ فقال رسول الله e: نعم، وأنت صابرٌ، محتسبٌ، غير مدبرٍ، إلاَّ الدَّيْن، فإنَّ جبريل u قال لي ذلك».

/// ومنه: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص t، عند مسلم وغيره: أنَّ رسول الله e قال: «القتل في سبيل اللهِ يكفِّركلَّ شيءٍ، إلاَّ الدَّيْن».

/// ووجه الدِّلالة من الحديثين: أنَّ النبيَّ e أخبرَ أنَّ القتل في سبيل الله يكفِّر كل الذُّنوب إلاَّ الدَّين، وأنَّ الدَّين يمنعُ دُخول الجنَّة.

- إذ إنَّ في قوله e للَّذي سَأَلَه عن تكفير خطاياه إن قُتِلَ: (إلاَّ الدَّيْن) لدليل بيِّنٌ على أنَّ تكفير خطايا الشهيد كلَّها بسبب الجهاد والشهادة -وغيرهما من أعمال البِرِّ- لا يكفِّر ما في ذمَّته من حقوق الآدميين، وإنَّما يكفِّرُ حقوق الله I فقط.

/// وتأملوا إلى هذا الملحظ .. الدَّين يأخذه العبد من أخيه (في الغالب) على رضًا منه، وعلى أمل الوفاء له به، ثم قد يقصِّر أويتهاون ويدركه القتل على ذلك .. ومع ذلك تُوعِّد بهذا الوعيد!

فكيف بمن يأخذ أموال الناس غصبًا وظلمًا وعدوانًا؟ كيف بمن ينتهك أعراضهم؟ أويستبيح دمائهم ظلمًا وعداونًا؟!

/// ومن الأدلَّة والنصوص المؤكِّدة لهذا المعنى والدَّالة عليه: ما ورد في وعيد الغال من الغنيمة، قال الله I: ) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ([آل عمران:161].

/// ووجه الدِّلالة من الآية: أنَّ الله I قد ذكَر أنَّ الغالَّ يأتي يوم القيامة حاملاً لما غلَّه وانتهبه من المغانم قبل قسمتها، مع أنَّه قد يتعرَّضُ للقتل بعد ذلك والشَّهادة .. بل ما هو أشد في الفظاعة والوعيد أنَّ خطاب الآية موجَّه للنَّبي بقوله:) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (، وأين من يكون كنبيٍّ في المنزلة والعمل عند الله؟

/// وقد وردَت السنَّة النبويَّة مصداقاً لهذا الوعيد للغالِّ من الغنيمة، وأنَّ الوعيد باقٍ عليه وإن قُتِلَ شهيداً، ففي الصَّحيحين من حديث أبي هريرة t قال: قام فينا رسول الله e ذات يومٍ، فذكر الغُلُول، فعظَّمَه وعظَّمَ أمره. ثم قال: «لا أُلْفَيَنَّ أحدَكُم يجيء يوم القيامةِ، على رقبته بعيرٌ له رُغَاءٌ، يقول: يارسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتُكَ، لا ألفينَّ أحدَكُم يجيء يوم القيامةِ، على رقبته فرس له حَمْحَمَةٌ، فيقول: يارسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتُكَ، لا ألفينَّ أحدَكُم يجيء يوم القيامةِ، على رقبته شاة لها ثُغَاء، فيقول: يارسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتُكَ، لا ألفينَّ أحدَكُم يجيء يوم القيامةِ، على رقبته نَفْسٌ لها صِياح، فيقول: يارسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتُكَ، لا ألفينَّ أحدَكُم يجيء يوم القيامةِ، على رقبته رِقَاع تخفق، فيقول: يارسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتُكَ، لا ألفينَّ أحدَكُم يجيء يوم القيامةِ، على رقبته صَامِتٌ، فيقول: يارسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتُكَ».

/// ومنه: حديث أبي هريرة t في الصَّحيحين: «قام عبد رسول الله e يحلُّ رحلَهُ؛ فرُمِيَ بسهمٍ، فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئاً له الشهادة يا رسول الله! فقال رسول الله e: كلاَّ! والذي نفس محمَّدٍ بيدِهِ إنَّ الشَّمْلةَ لتلتهب عليه ناراً، أخَذَها من الغنائم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم .. قال: ففزِعَ النَّاس، فجاء رجل بشِرَاك أو شِرَاكين؛ فقال: يا رسول الله أصبتُ يوم خيبر.

فقال رسول الله e: شِرَاكٌ من نار، أو شِرَاكان من نار».

/// وفي لفظ حديث عمر t قال: «لمَّا كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النَّبي e، فقالوا: (فلان شهيدٌ)، (فلانٌ شهيدٌ)، حتى مرُّوا على رجلٍ، فقالوا: (فلانٌ شهيدٌ).

فقال رسول الله e: كلاَّ، إنِّي رأيتُهُ في النَّار، في بُرْدَةٍ غلَّها أو عباءةٍ ... ».

/// قلتُ: فأين أجر المجاهد في سبيل الله؟ بل الشَّهيد الذي قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه؟ ممَّن ليس كحالهما؟!

/// وأين ذكر العفو (من قِبل اللهِ) في تلكم النصوص عن (المجاهدين الشهداء)، الذين صحبوا النَّبي e، وقاتلوا معه وعملوا أعمالًا؟ أين حال هؤلاء بمن جاء بعده وخلَّط تخاليط؟ ولا جهاد ولا شهادة؟!

/// لا شكَّ أنَّ من اتَّكل على (مجرَّد رجاءٍ)، لا دليل ظاهرٍ عليه، وقد يكون من أهله أولا =فقد غبن نفسه حين يوفِّيه الله يوم القيامة بجزاء ما ظلم غبنًا كبيرًا.

/// فنسأل الله العفو والعافية من مظالم الناس وحقوقهم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015