فهذا القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي مما تميز به خاصة في شرحه على الرسالة لابن أبي زيد رحمهما الله ردوده على مخالفيه والقصد منهم كل من لم يرتض القاضي قوله ولم يقتنع بدليله ولو كان من علماء مذهبه 12 من ذلك: مسألة ترك التسمية على الذبيحة عمدا، فبعد أن قرر أنها لا تؤكل على وجه الحرمة قال:" وأما من زعم من متأخري أصحابنا البغداديين أن قول مالك أنه إذا تعمد ترك التسمية أنها لا تؤكل إنما هو على طريق الكراهية والتنزيه، دون الحظر والتحريم ... إلخ" 13.

وهذا الإمام ابن عطية الأندلسي المالكي عند تفسيره لقوله تعالى: "وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً

قال:" وذهب بعض الفقهاء المالكيين إلى أن التفرق في هذه الآية هو بالقول، إذ الطلاق قول، واحتج بهذه على قول النبي صلى الله عليه وسلم «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» إذ مذهب مالك في الحديث أنه التفرق بالقول لا بالبدن.

قال ابن عطية: ولا حجة في هذه الآية، لأن إخبارها إنما هو من افتراقهما بالأبدان، وتراخي المدة بزوال العصمة، ... ولو كانت الفرقة في الآية الطلاق لما كان للمرأة فيها نصيب يوجب ظهور ضميرها في الفعل، وهذه نبذة من المعارضة في المسألة" 14.

وقال ابن العربي المالكي: " قال المالكية: ليس ذلك ـ أي الصلاة على الغائب ـ إلاَّ لمحمد صلى الله عليه وسلم، قلنا: وما عمل به محمدٌ صلى الله عليه وسلم تعملُ به أمَّتُه؛ يعني لأنَّ الأصلَ عدم الخصوصية، قالوا: طُويت له الأرض وأُحضرت الجنازة بين يديه! قلنا: إنَّ ربَّنا عليه لقادر، وإنَّ نبيَّنا لأهلٌ لذلك، ولكن لا تقولوا إلاَّ ما رويتم، ولا تَخترعوا حديثاً من عند أنفسكم، ولا تحدِّثوا إلاَّ بالثابتات ودَعُوا الضِّعافَ؛ فإنَّها سبيل إتلاف إلى ما ليس له تلاف " 15.

ومع ما للإمام ابن القاسم رحمه الله من مكانة في المذهب المالكي إلا أن مالكية الأندلس رحمهم الله عرفوا بمخالفتهم في كثير من المسائل لرأيه والرد عليه ومناقشته واختيار أقوال غيره من كبار الأئمة المالكية المعتمدة أقوالهم طلبا للصواب 16.

ومن تم فمن الطرائق التي سلكها فقهائنا المالكية رحمهم الله لتنقيح المذهب والتصحيح مسلك الحجاج الذي يعد من أجل العلوم إذا قام على أسس ومنهاج.

قال أبو الوليد الباجي المالكي رحمه الله في معرض الكلام عن هذا المسلك:" هذا العلم من أرفع العلوم قدرا وأعظمها شأنا لأنه السبيل إلى معرفة الاستدلال وتمييز الحق من المحال، ولولا صحيح الوضع في الجدال لما قامت حجة ولا اتضحت محجة، ولا علم الصحيح من السقيم ولا المعوج من المستقيم " 17.

.............................. ..........................

1. الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي المالكي رحمه الله 3/ 286.

2. جامع بيان العلم وفضله للإمام ابن عبد البر المالكي رحمه الله 212، وفي المقام نفسه يقول ابن فرحون المالكي رحمه الله:" اعلم وفقنا الله وإياك أن المراء والجدال يورث العداوة والبغضاء ويبعث على كشف العورات والحمية " الزاهر في بيان ما يجتنب من الصغائر والكبائر 245.

3. قال أبو الوليد الباجي المالكي رحمه الله:" وقد نطق الكتاب بالمنع من الجدال لمن لا علم له والحظر على من لا تحقيق عنده " المنهاج في ترتيب الحجاج 8، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي المالكي رحمه الله 4/ 108.

4. قولة شهيرة عن إمامنا مالك رحمه الله، ونور الله قبره.

5. سراج الملوك 150.

6. هذه الردود والمجادلات من الدلائل على أن الحق لا يتعدد، وأنه ليس كل مجتهد مصيب للقول الصحيح ذاته.

قال أبو الوليد الباجي المالكي رحمه الله في معرض تقريره أنه ليس كل مجتهد مصيب:" ومما يدل على ذلك إجماع السلف على صحة المناظرة" إحكام الفصول 714.

7. نقلا عن كتاب " فتح المجيد على نظم عبد الله بن الحاج احماه الله الشنقيطي لرسالة ابن أبي زيد القيرواني " 1/ 116 للأمانة ولد إبراهيم.

8. وذكر بدلها: " قبوله ".

9. وذكر بدل هذا الشطر من البيت: " ولم يعب صاحب نقل ذلك ".

10. لأن تمت بعض المؤلفات التي ألفت في الخلاف الفقهي داخل المذهب لم يتعرض أصحابها للمناقشة والرد والترجيح إلا نادرا، بحيث كان قصدهم من مثل هذه المصنفات حكاية مجرد الخلاف، ومن ذلك كتاب " اختلاف أقوال مالك وأصحابه " للحافظ ابن عبد البر المالكي رحمه الله.

11. انظر كتاب " التوسط " هذا بتحقيق مصطفى باحوا ص: 6، وبتحقيق آخر للحسن حمدوش ص: 15.

12. انظر كتاب " القاضي عبد الوهاب البغدادي ومنهجه في شرح الرسالة " لأبي فارس 423.

13. شرح الرسالة 3/ 13.

14. المحرر الوجيز 2/ 207.

15. انظر الفتح 3/ 189، و نيل الأوطار 4/ 54، وعون المعبود 7/ 190.

16. انظر " المدرسة المالكية الأندلسية إلى نهاية القرن الثالث الهجري: نشأة وخصائص " 301 فما بعدها لمصطفى الهروس، من مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية.

17. المنهاج بترتيب الحجاج 8.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015