فقد روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتاب والفسق، فإنه سيجيء بعدي أقوام يُرجِّعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبه وقلوب الذين يعجبهم شأنهم)).
ولقد ذكر الرسول صلوات الله وسلامه عليه ((أن من علامات الساعة أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم (ليس بأقرئهم، ولا أفضلهم) ليغنيهم غناء)).
فهذان الحديثان فيهما بيان أن قراءة القرآن بالألحان ليست من السنة في شيء، وعلى غير التغني الذي أباحه النبي صلى الله عليه وسلم واستحسنه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الحد الفاصل بين التغني المستحسن، والتلحين المستهجن، في الحديث الأول؛ فقد ذكر أن التغني المستحسن هو الذي يجيء على لحون العرب؛ ولحون العرب كانت تقوم على إخراج الحروف من مخارجها، والمد في موضع المد وهمز المهموز، ووصل الموصول؛ ونحو ذلك من المبين في علم التجويد، فهذه ألحان العرب، وتحسينها هو الصوت الجميل، لا بتوقيع القرآن على موسيقى الأعاجم.
والترنم به هو ترديد المعنى المفهوم في اللفظ الجميل بحيث يكون الصوت مصورًا للمعنى أولا وبالذات، ولعل هذا هو التحبير الذي كان يتجه إليه أبو موسى الأشعري عندما كان يريد تحبير قراءته.
-5 -
لقد بين النبي إذًا الفرق بين التغني المقبول، والتلحين المرذول، وتنبأ بوحي من ربه بما يكون، ثم لم يمض زمن طويل على انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، حتى ظهرت لحون الأعاجم، فإنه في صدر الدولة الأموية قد ظهر الغناء الفارسي، وأخذه العرب، ولحنوا به أشعارهم، ثم سرت العدوى من الأشعار إلى القرآن؛ فكان من القراء من يقرأ القرآن بهذه الألحان الأعجمية التي لا تتفق مع اللحن العربي، وأدرك ذلك بعض الصحابة الذين عمروا إلى الدولة الأموية، فإنه يروى أن قارئا جاء إلى أنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ وطرب، فقال له صاحب الرسول عليه السلام: ((ما هكذا كانوا يفعلون)) واستنكر صنيع ذلك القارئ، وعًدَّهُ بدعة.
-6 -
ولذلك قال التابعون الذين سمعوا تلك الألحان الأعجمية ورأوها تذهب بالروعة القرآنية: إن القراءة بالألحان مكروهة، وكلمة (مكروهة) يراد بها في أكثر الأحوال عند هؤلاء التابعين التحريم، ولكن لعدم النص الصريح بالتحريم لم يُصَرِّحوا به، ومن هؤلاء سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، والحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، ثم جاءت الطبقة التي وليت التابعين من الفقهاء المحدثين، فكان منهم كثيرون أفتوا بالكراهة، ومن هؤلاء: سفيان بن عيينة، ومالك بن أنس. فقد روى ابن القاسم ((أنه سئل عن الألحان؟ فقال: لا تعجبني، وإنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم)) ولقد جاء في الطبقات لابن السبكي ((أن الربيع بن سليمان الجيزي الأزدي المتوفى سنة 257 روي عن الشافعي رضي الله عنه أن قراءة القرآن بالألحان مكروهة)). ولقد تضافرت الروايات عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال: ((القراءة بالألحان بدعة لا تسمع)).
فهذه نقول كثيرة عن الأقدمين تبين أن التطريب بالقرآن من غير نظر إلى المعنى حرام أو مكروه أو بدعة، ولعل الذين لم يفتوا بشيء من هذا لم تصخ أسماعهم قراءة بالألحان تبعد المعنى، وما سمعوه من التغني بالقرآن كان في دائرة ألحان العرب التي استحسنها النبي صلى الله عليه وسلم، وأجازها، ولم تكن من ألحان الأعاجم التي تهوش المعاني في نفوس السامعين.
-7 -
والذي يستخلص من مجموع النقول، وهو الذي يتلاقى فيه المختلفون، أن التغني بالقرآن قسمان:
أحدهما: يساعد على المقصود من التلاوة وهو العظة والاعتبار، وفهم معانيه، وتدبر آياته، وتذوق جمال لفظه، وطلاوة أسلوبه، وحلاوة بلاغه. وهذا مستحسن مطلوب. ومن ذلك ما يروى عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن. ومن ذلك أيضًا ما روى من أن عمر رضي الله عنه قال لعقبة بن عامر وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن: اعرض علي سورة كذا، فعرض عليه، فبكي عمر، وقال ((ما كنت أظن أنها نزلت)).
وهذا القسم هو الذي يكون المعنى فيه واضحًا جليا، ويزيده حسن الصوت والإلقاء جلاء ووضوحًا، وسماعه يزيد المؤمن إيمانًا كما قال تعالى في وصف المؤمنين {ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2].
أما القسم الثاني: فهو الذي يكون التوقيع الموسيقى غير متناسب مع المعنى، أو يكون الغرض من التلاوة مجرد التطريب، والغرض من السماع مجرد الطرب، أو يكون الترجيع للتنويع في الموسيقى، أو تستعار القراءات ولو لم تكن شاذة للتنويع الموسيقى، فيكون السامع في جو من الطرب لا في مقام اهتداء واتعاظ واستبصار.
وهذا صالح لأن يتخذ تسلية، لا أن يكون تبصرة. وما لهذا كان القرآن، وهو لا يتفق مع المكان الأمثل له. وفوق ذلك فإن الترجيع الموسيقى يذهب بوقاره وجلاله، وقد سمعت قارئا يقرأ سورة ((الحاقة))، ويختار قراءة كسر ما قبل التاء المربوطة ملحنًا بها، فيكون طرب شديد من الناس للحن، ولكن ذا الإحساس يرى فيه تهزيعًا لقرآن الله العلي الحكيم.
وإن هذا القسم هو البدعة التي ابتدعها الناس، وهو الذي كرهه الأئمة، وقال فيه إمام دار الهجرة: ((هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم)). فعلى الذين يستأجرون القراء ليقرءوا القرآن متيمنين بقراءته في أفراحهم، أو راجين المغفرة بها في أحزانهم – أن يتحروا السنة، ويبتعدوا عن البدعة. والله الموفق.
محمد أبو زهرة