وقد شهد أهل العلم باللغات بأفضلية اللغة العربية على غيرها من اللغات.

يقول ابن جني في "الخصائص" (1/ 243):

" إنا نسأل علماء العربية، ممن أصله أعجمي، وقد تدرب قبل استعرابه عن حال اللغتين، فلا يجمع بينهما، بل لا يكاد يَقبل السؤال عن ذلك لبعده في نفسه، وتقدُّمِ لطف العربية في رأيه وحسه، سألت غير مرة أبا علي (يعني الفارسي إمام اللغة المعروف) عن ذلك، فكان جوابه عنه نحو ما حكيته " انتهى.

ويقول ابن سنان الخفاجي في "سر الفصاحة" (45):

" لا خفاء بميزاتها على سائر اللغات وفضلها " انتهى. ثم توسع في شرح ذلك.

وانظر كتاب "البلاغة المفترى عليها" لفضل حسن عباس (19 - 78)

] ثانيا: [/ color] ومن عرف للغة العربية فضلها وأهميتها أدرك ما ينبغي عليه من شديد العناية بها، خاصة وأن الصلاة وهي أهم عبادات المسلم لا تصح إلا بتلاوة كتاب الله العربي، لذلك كان المسلمون في شرق الأرض وغربها يتعلمون العربية على اختلاف أجناسهم وأعراقهم، حفاظا على وحي الله تعالى الذي أنزله بهذه اللغة، فإنَّ حفظَ القوالب حفظٌ للمعاني.

اللهم إلا أننا أصبحنا نجد في عصرنا هذا من يزهد في لغة القرآن، فينسبها تارة للعجز، وأخرى للصعوبة، لم يغادر شبهة أو تهمة إلا وحاول إلصاقها بها، ولكن الله سبحانه وتعالى قيض له من يبين فساد مقالته، وبطلان دعواه.

كما أننا نجد في زماننا من يزهد بلغته العربية، تبعية للغرب الذي سلب لُبَّه بمدنيته الزائفة، وحضارتِه الموهومة، فأصبح يستبدل العبارات العربية بالكلمات (الانجليزية) تارة، أو بـ (الفرنسية) تارة أخرى، حتى انحرف لسانه عن لغته الأصيلة، وانحرفت أخلاقه وأطباعه تبعا لذلك.

فلهؤلاء وأولئك أنقل لهم كلمة ضافية لشيخ الإسلام ابن تيمية، أوفى فيها على المقصود، وجمع فيها من المنقول والمعقول في هذا الموضوع، فقال رحمه الله تعالى في "اقتضاء الصراط المستقيم"

(1/ 204 - 208):

" اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء، أو أكثرهم، يكرهون في الأدعية التي في الصلاة والذكر، أن يدعى الله أو يذكر بغير العربية ..

وأما الخطاب بها (يعني الأعجمية) من غير حاجة في أسماء الناس والشهور، كالتواريخ ونحو ذلك، منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب.

وأما مع العلم به، فكلام أحمد بَيِّنٌ في كراهته أيضا، فإنه كره "آذرماه" ونحوه، ومعناه: ليس محرما، وأظنه سئل عن الدعاء في الصلاة بالفارسية فكرهه وقال: لسان سوء. وهو أيضا قد أخذ بحديث عمر رضي الله عنه الذي فيه النهي عن رطانتهم، وعن شهود أعيادهم.

وهذا قول مالك أيضا، فإنه قال: لا يُحرِم بالعجمية ولا يدعو بها، ولا يحلف بها. وقال: نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال: " إنها خِبَّ " (المكر والغش، المدونة 1/ 62 - 63)، فقد استدل بنهي عمر عن الرطانة مطلقا.

وقال الشافعي فيما رواه السلفي بإسناد معروف إلى محمد بن عبد الله بن الحكم قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول:

" لا نحب ألا ينطق بالعربية فيسمي شيئا بالعجمية، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب، فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يَقدِرُ على تعلم العربية أن يتعلمها؛ لأنها اللسان الأَوْلَى بأن يكون مرغوبا فيه، من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية "

فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطا لها بالعجمية، وهذا الذي قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين.

روى أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" (9/ 11) حدثنا وكيع عن أبي هلال عن أبي بريدة قال: قال عمر: ما تعلم الرجل الفارسية إلا خَبَّ (صار خَدَّاعًا)، ولا خَبَّ رجل إلا نقصت مروءته.

وقال حدثنا وكيع عن ثور عن عطاء قال: لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم كنائسهم، فإن السخط ينزل عليهم.

وهذا الذي رويناه فيما تقدم عن عمر رضي الله عنه. (انظر مصنف عبد الرزاق 1/ 411)

وقال حدثنا إسماعيل بن علية عن داود بن أبي هند أن محمد بن سعد بن أبي وقاص سمع قوما يتكلمون بالفارسية فقال: ما بال المجوسية بعد الحنيفية.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015