فلا يفوتك النظر في كتب المتقدمين كتقويم الدبوسي وأصول الكرخي والسرخسي والمعتمد لأبي الحسين المعتزلي والمنخول والمستصفى للغزالي والبرهان للجويني والتقريب للباقلاني والواضح لابن عقيل وكتاب ابن بَرهان والأبياري وغيرهم من الفحول
ولا يزهدنك فيها صعوبتها أو خلافك مع مؤلفيها في الاعتقاد
ففي هذه الكتب من أصول النظر ومراتب الدلائل ووجوها واتساع طرق الاستنباط والفهم والمعارضة وتنويعها ما يكفل لك بتكوين ملكة الاجتهاد وتفتيق الذهن و تدريبه وتهيئته لمقارعة الفحول ومنازلة الأذكياء من العلماء
ولا يعني أن كل ما في هذه الكتب صحيح لكن يغلب عليها الصحة
إن النصح بالاقتصار على الكتب الأصولية الخالصة لأهل السنة أو أهل الحديث كالاعتصام والموافقات ومذكرة الشنقيطي ونحوها لا تكفي غير المتخصص لإتقان هذا العلم
/// إن فضل هذا العلم وكونه آلة الفهم الصحيح وكونه يدخل في أغلب علوم الشرع كالخادم لها يدل على أن القدر الذي ينبغي أن يتعلمه غير المتخصص منه أكبر من القدر الذي ينبغي أن يتعلمه من أي علم آخر
فطبيعة هذا العلم وعلاقته مع باقي علوم الشرع يحتم ذلك الأمر ويكسبه تلك الخاصية وما أحق علم اللغة من مشاركته له في هذه الخاصية عند من عرف قدرها وأهميتها بالنسبة لعلوم الشرع
/// لا أكاد أنسى ألمي وحزني وصدمتي من ذلك الشخص الذي كان يحذر من هذا العلم مطلقا بدعوى أن أكثر ما فيه كلام لأهل الكلام من الأشاعرة والمعتزلة ولم يدرس هذا العلم ولا نظر فيه عندما قيل لي أنه جلس لشرح البخاري!!!
اللهم رحما!!
اللهم إنا نشكوا إليك هذا الغثاء!!
كيف يشرح البخاري ولما يدر مراتب الأدلة وأي الأدلة يقدم عند ظاهر التعارض بينها!!
كيف يشرح البخاري ولما يعلم الفرق بين دلالة النص وعبارته
كيف يشرح البخاري ولما يميز بين الظاهر والنص والمحكم والمفسر وأيهم أقوى في الدلالة
كيف يشرح البخاري ولما يعلم شروط العمل بمفهوم المخالفة
كيف يشرح البخاري ولما يميز بين حد الحكمة والقيد والعلة
كيف يشرح البخاري ولما يدر ألفاظ العموم والخصوص والفرق بين العام الذي أريد به الخصوص وبين الذي دخله التخصيص
كيف وكيف؟!!!!!!!!!!
لكن نحن في زمن المشهور عند السلف وأهل العلم بات غريبا والغريب عندهم بات مشهورا
/// إن التحذير من هذا العلم _وقد أجمع العقلاء وأهل العلم على فضله_ بدعوى اختلاط علوم المتكلمين فيه لمن أوهى الدعاوي وأبعدها عن الصواب
ولو علم صاحب هذه الدعوى ما يلزم على قوله من لوازم باطلة لتبرأ منها غاية التبرؤ
إن اختلاط علم الكلام أو المنطق بأي علم ليس مسوغا للتحذير منه
لقد دخل هذا العلم في علوم كثيرة
كعلم العقائد وعلم المصطلح وعلم اللغة وإن كان يتفاوت فيما بينها كثرة وقلة
فماذا فعل العلماء؟
هل حذروا من هذه العلوم؟
الجواب لا ولكن عملوا على تمييز الحق من الباطل والدخيل من الأصيل
لكن بعلم عميق لا بسطحية وظاهرية في النظر والبحث
مع أنه ليس كل ما خلطه المتكلمون بهذه العلوم باطل
بل بعض المسائل التي أصاب بها المتكلمون والمناطقة الحق خدمت وساعدت في تدعيم هذا العلم (علم الأصول) وذلك لطبيعة هذا العلم وجمعه بين العقل والنقل
وأيضا فإن الخلل من ناحية هذا العلم (علم الكلام والمنطق) قليل في علم الأصول وذلك لتقيد أكثر المتكلمين فيه بأصول أئمتهم في الفروع كالأشاعرة من الشافعية بالشافعي ومن المالكية بمالك والماتردية من الحنفية بأبي حنيفة وصاحبيه
/// هذا العلم لم يوضع فقط للوصول إلى درجة الاجتهاد المطلق
بل هو موضوع لضبط فهم النصوص وكلام الشارع في الدرجة الأولى
فعلى الحديثي والفقيه والمفسر وكل من أراد أن يستنبط من النصوص أن يتقن القدر المطلوب من هذا العلم وإلا فلا يقحم نفسه فيما لا يكون أهلا له وليسأل غيره
/// هذا العلم هو سياج الشريعة وحامي حوزتها من:
عبث المتعالمين
وضرر المبتدعين
وخبث أعداء الإسلام من المعاصرين وغيرهم
ولولاه لما استطعنا الرد على أهل البدع
والعلمانيين والحداثيين ونحوهم
ولذلك لما أدرك أهل البدع وأعداء التراث مكانة هذا العلم سارعوا إلى الاهتمام به ودرسه والتعمق فيه
فنحن أحق به وأهله إذ هي أصول شريعتنا وأصول أئمتنا وعلمائنا
فمن زهد فيه فقد أعان أهل البدع وأعداء الإسلام
ومن نظر في ردود أهل السنة على أهل البدع وأهل الإسلام على أعدائه من اليهود والنصاري والعلمانيين وأضرابهم
لم يشك قط أنهم ما هدموا أصولهم وقواعدهم وأفحموهم إلا بالاستعانة بهذا العلم
/// فلا شك من ضرورة الاعتناء بهذا العلم للمتخصص وغيره
وضرورة التخصص والتدقيق في هذا العلم
والتعمق في قراءة مطولاته ودرسها
/// وعلم كهذا العلم في فضله وتمكن أصوله ومتانتها وذكاء ومكانة المشتغلين به من لدن الشافعي إلى الأمين الشنقيطي بل لن ترى عالما استحق وصف الإمامة إلا كان منه ريانا شبعانا = لا يحتاج أن تكتب هذه الكلمات القاصرة في الدفاع عنه بل لعلها تنقص من قدره
لكن لكل زمن أحكامه وغرائبه
وما من زمن إلا والذي بعده أسوأ منه للبعد عن مشكاة النبوة والله المستعان
¥