قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "الاستذكار" (18): «هكذا قال مالك في هذا الحديث: «إحدى عشرة ركعة»، وغير مالك يخالفه فيقول في موضع «إحدى عشرة ركعة» «إحدى وعشرين». ولا أعلم أحدا قال في هذا الحديث إحدى عشرة ركعة غير مالك» اهـ.
كذا قال أبو عمر رحمه الله! وهو متعقّب بجماعة وافقوا مالكاً على قوله: «إحدى عشرة»، وهم:
1 ـ يحيى بن سعيد القطّان عند أبي بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (19).
2 ـ وإسماعيل بن جعفر المدنيّ عند علي بن حجر في "حديثه" (20).
3 ـ وعبد العزيز بن محمد الدّراورديّ عند سعيد بن منصور في "سننه" (21).
4 ـ وإسماعيل بن أمية عند أبي بكر النّيسابوريّ في "فوائده" (22).
هكذا رواه هؤلاء كلّهم عن محمد بن يوسف، فقالوا: «إحدى عشرة».
الرواية الثانية: أنها ثلاث عشرة ركعة.
أخرجها أبو بكر النّيسابوريّ في "فوائده" (23) قال: حدّثنا أبو الأزهر، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن يوسف بن عبد الله ابن أخت [نَمر] (24)، عن [جدّه] (25) السّائب، قال: «كنّا نصلي في زمن عمر رمضان ثلاث عشرة ركعة، وما كنا نخرج إلاّ في وِجاه الصُّبح. كان القارئ (26) يقرأ في كل ركعة خمسين آية ستين آية».
ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن نصر المروزي في كتاب "قيام رمضان" ـ كما في مختصره (27) ـ وزاد: قال ابن إسحاق رحمه الله: «وما سمعت في ذلك حديثاً هو أثبت عندي ولا أحرى بأن يكون كان من حديث السائب؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له من اللّيل ثلاث عشرة ركعة».
الرواية الثالثة: أنها إحدى وعشرون ركعة.
أخرجها عبد الرزاق في "مصنفه" (28) عن داود بن قيس وغيره، عن محمد بن يوسف، عن السّائب بن يزيد: «أنّ عمر جمع النّاس في رمضان على أبي بن كعب، وعلى تميم الدّاري على إحدى وعشرين ركعة، يقرأون بالمئين وينصرفون عند بزوغ الفجر».
وداود بن قيس أبو سليمان المدنيّ، وثقه الشافعي وأحمد وابن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي وغيرهم.
الرواية الرابعة: أنها عشرون ركعة.
أخرجها الفريابي في كتاب "الصيام" (29) من طريق يزيد بن هارون.
وأبو القاسم البغوي في "حديث علي بن الجعد" (30) ـ ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (31) ـ من طريق محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب.
ورواه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (5409) من طريق محمد بن جعفر.
ثلاثتهم (يزيد بن هارون، وابن أبي ذئب، ومحمد بن جعفر) عن يزيد بن خُصيفة، عن السّائب ابن يزيد، قال: «كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في رمضان عشرين ركعة، ولكن كانوا يقرؤون بالمائتين في ركعة حتى كانوا يتوكئون على عِصيِّهم من شدّة القيام». واللّفظ للفريابي.
ولفظ البيهقي في "المعرفة": «كنّا نقوم في زمان عمر بن الخطّاب بعشرين ركعة والوتر».
وصحَّح إسناده النّووي في "المجموع" (32)، و"الخلاصة" ـ كما في "نصب الرّاية" (33) ـ، وابن الملقن في "البدر المنير" (34)، وبدر الدّين العيني في "عمدة القاري" (35).
الرواية الخامسة: أنها ثلاثة وعشرون ركعة.
أخرجها عبد الرزّاق في "مصنفه" (36) عن الأسلميّ، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن السّائب بن يزيد، قال: «كنّا ننصرف من القيام على عهد عمر وقد دنا فروع الفجر، وكان القيام على عمر ثلاثة وعشرين ركعة».
وإسناه ضعيف جدّاً، فيه الأسلميّ وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو متروك كما في "التقريب".
وأمّا الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذُباب، فمختلف فيه؛ فقال أبو حاتم: يروي عنه الدّراورديّ أحاديث منكرة، ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وجمع الحافظ بين القولين فقال: «صدوق يهم» فمثله يعتبر بحديثه على أقل الأحوال؛ لكن علته إبراهيم الأسلمي، كما سبق.
فهذه أشهر الروايات في عدد ركعات التراويح في عهد عمر رضي الله عنه، ويلاحظ أنّ الخلاف وقع فيها من الرواة على السائب بن يزيد؛ حيث رواه عنه ثلاثة:
أحدهم: محمد بن يوسف وقد اختلف عليه كما في الروايات الثلاثة الأول.
والثاني: الحارث بن أبي ذباب.
والثالث: يزيد بن خصيفة.
وإذا استبعدنا رواية الحارث ـ لوهائها ـ يبقى الترجيح بين رواية ابن يوسف، ورواية ابن خصيفة، ورواية الأخير أولى بالترجيح؛ لأمور:
أولاً ـ أنه لم يختلف عليه.
بخلاف محمد بن يوسف فقد اختلف عليه أصحابه الثقات:
¥