فَتَنْحَلُّ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْس وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْع وَعِشْرِينَ وَبِهَذَا يَتَغَايَر هَذَا الْقَوْل مِمَّا مَضَى. الْقَوْل الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّهَا فِي سَبْع أَوْ ثَمَان مِنْ أَوَّل النِّصْف الثَّانِي رَوَى الطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيق عَطِيَّة بْن عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ " سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَة الْقَدْر فَقَالَ: تَحَرَّهَا فِي النِّصْف الْأَخِير، ثُمَّ عَادَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إِلَى ثَلَاث وَعِشْرِينَ، قَالَ: وَكَانَ عَبْد اللَّه يُحْيِي لَيْلَة سِتّ عَشْرَة إِلَى لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ ثُمَّ يُقَصِّر ". الْقَوْل السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّهَا فِي أَوَّل لَيْلَة أَوْ أَخَّرَ لَيْلَة أَوْ الْوِتْر مِنْ اللَّيْل أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي كِتَاب " الْمَرَاسِيل " عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي خَلَدَة عَنْ أَبِي الْعَالِيَة " أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ لَهُ: مَتَى لَيْلَة الْقَدْر؟ فَقَالَ اُطْلُبُوهَا فِي أَوَّل لَيْلَة وَآخِر لَيْلَة وَالْوِتْر مِنْ اللَّيْل " وَهَذَا مُرْسَل رِجَاله ثِقَات. وَجَمِيع هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي حَكَيْنَاهَا بَعْد الثَّالِث فَهَلُمَّ جَرًّا مُتَّفِقَة عَلَى إِمْكَان حُصُولهَا وَالْحَثّ عَلَى اِلْتِمَاسهَا. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: الصَّحِيح أَنَّهَا لَا تُعْلَمُ، وَهَذَا يَصْلُح أَنْ يَكُون قَوْلًا آخَر، وَأَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: قَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث بِإِمْكَانِ الْعِلْم بِهَا وَأَخْبَرَ بِهِ جَمَاعَة مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ ذَلِكَ. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُف قَوْلًا جَوَّزَ فِيهِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا لَيْلَة أَرْبَع وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْع وَعِشْرِينَ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ فَهُوَ قَوْل آخَر. هَذَا آخَر مَا وَقَفَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَقْوَال وَبَعْضهَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى بَعْض، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرهَا التَّغَايُر، وَأَرْجَحهَا كُلّهَا أَنَّهَا فِي وِتْرٍ مِنْ الْعَشْر الْأَخِير وَأَنَّهَا تَنْتَقِل كَمَا يَفْهَم مِنْ أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، وَأَرْجَاهَا أَوْتَار الْعَشْر، وَأَرْجَى أَوْتَار الْعَشْر عِنْد الشَّافِعِيَّة لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاث وَعِشْرِينَ عَلَى مَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَعَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ، وَأَرْجَاهَا عِنْد الْجُمْهُور لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَدِلَّة ذَلِكَ

قال المباركفوري _تحفة الأحوذي_

فَالْأَرْجَحُ وَالْأَقْوَى أَنَّ كَوْنَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مُنْحَصِرَةٌ فِي رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْهُ ثُمَّ فِي أَوْتَارِهِ لَا فِي لَيْلَةٍ مِنْهُ بِعَيْنِهَا

قال شيخ الإسلام _الفتاوى_

الْحَمْدُ لِلَّهِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هَكَذَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ}. وَتَكُونُ فِي الْوِتْرِ مِنْهَا. لَكِنَّ الْوِتْرَ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي فَتُطْلَبُ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ. وَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ مَا بَقِيَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لِتَاسِعَةٍ تَبْقَى لِسَابِعَةٍ تَبْقَى لِخَامِسَةٍ تَبْقَى لِثَالِثَةٍ تَبْقَى}. فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ يَكُونُ ذَلِكَ لَيَالِيَ الْأَشْفَاعِ. وَتَكُونُ الِاثْنَيْنِ وَالْعِشْرِينَ تَاسِعَةً تَبْقَى وَلَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَابِعَةً تَبْقَى. وَهَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو سَعِيدٍ الخدري فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَهَكَذَا أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّهْرِ. وَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ كَانَ التَّارِيخُ بِالْبَاقِي. كَالتَّارِيخِ الْمَاضِي. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّاهَا الْمُؤْمِنُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ جَمِيعِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {تَحَرَّوْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ} وَتَكُونُ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ أَكْثَرَ. وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ كَمَا كَانَ أبي بْنُ كَعْبٍ يَحْلِفُ أَنَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقِيلَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ عَلِمْت ذَلِكَ؟ فَقَالَ بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ. " {أَخْبَرَنَا أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صُبْحَةَ صَبِيحَتِهَا كَالطَّشْتِ لَا شُعَاعَ لَهَا}. فَهَذِهِ الْعَلَامَةُ الَّتِي رَوَاهَا أبي بْنُ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَشْهَرِ الْعَلَامَاتِ فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ رُوِيَ فِي عَلَامَاتِهَا " {أَنَّهَا لَيْلَةٌ بلجة مُنِيرَةٌ} وَهِيَ سَاكِنَةٌ لَا قَوِيَّةُ الْحَرِّ وَلَا قَوِيَّةُ الْبَرْدِ وَقَدْ يَكْشِفُهَا اللَّهُ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي الْمَنَامِ أَوْ الْيَقَظَةِ. فَيَرَى أَنْوَارَهَا أَوْ يَرَى مَنْ يَقُولُ لَهُ هَذِهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَقَدْ يُفْتَحُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْأَمْرُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قلت لعل أقوى الأقوال ما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم وهو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

و الله أعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015