وأمر آخر: أن العلماء قد أجمعوا على أن من تتبع الرخص فهو فاسق، من تتبع رخص الفقهاء فهو فاسق، والشارع قصد إثبات العدالة للمسلم، ونهاه عن كل موجب للفسق، فالفسق إنما يجر إليه فعل المحرمات، وترك الواجبات، فتتبع الرخص نقل غير واحد من العلماء أنه أمر يوجب فسق من فعله، وقد قال ذلك الإمام أحمد -رحمه الله- والمروزي، ونقل الإجماع على فسقه ابن حزم وابن عبد البر وأبو الوليد الباجي من المالكية، وقال الأوزاعي -رحمه الله -: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام".
وأمر آخر: وهو أن الواجب على المسلم في حال الاختلاف أن يرجع إلى من؟ أن يرجع إلى الله وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فالله يقول: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [(10) سورة الشورى] ويقول: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [(65) سورة النساء] يعني: فيما اختلفوا فيه: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [(65) سورة النساء] فالواجب في حال الاختلاف أن يرجع الإنسان إلى الله وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والرجوع إلى الله رجوع إلى كتابه، والرجوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجوع إلى سنته -عليه الصلاة والسلام-، هذا هو الواجب على المسلم، وهذا هو الذي أمر الله به، فإذا تتبع الإنسان الرخص فهو في الواقع قد رجع إلى أين؟ يكون قد رجع إلى هوى النفس وشهوتها ومطلوباتها ومحبوباتها، ولم يكن محتكماً إلى الله -عز وجل- وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وبالتالي لم يكن مستجيباً لنداء الله -تبارك وتعالى- وأمره وتوجيهه في مثل هذه المقامات.
فالحاصل أن من أخذ أحد هذين القولين لمجرد التشهي فهو متبع للهوى، وليس متبعاً للكتاب والسنة، وإن زعم أنه متبع لكتاب الله وسنة رسول -صلى الله عليه وسلم-.
ثم إن أتباع هذه الرخص سبب لذهاب هيبة الدين، والتهاون بحرمات الشرع، ولو حدثتكم عن هذا لحدثتكم طويلاً عن أمثلة يتلاعب فيها الناس بالشريعة، المثال الذي ذكرته آنفاً هذا الرجل الذي يدخن وهو يدرس أصول الفقه ويقول: تدريسي واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أليس ذلك يكون سبباً لذهاب هيبة الشرع؟ لا شك أنه كذلك.
جاء رجل لبعض الفقهاء وقد استأجر أرضاً إجارة مشاعة، واستأجر رجل آخر جزءً آخر من هذه الأرض ومسألة الشفعة إنما هي فيما يملك الإنسان، وقد اختلف العلماء في المستأجر هل فيه شفعه أو لا؟ فالحاصل أن هذا الرجل سافر إلى بلد أو كان في ناحية فذهب الرجل الذي استأجر الناحية الأخرى إلى قاضيٍ أو عالم أو فقيه ممن يفتي بالرخص فذهب إليه فحكم له بأنه لا شفعه، لما سمع أن ذلك الرجل المسافر يريد أن يستصدر حكماً بالقول بالشفعة في هذه الأرض، ذهب واستصدر حكماً من فقيه بأنه لا شفعة في الإجارة، فلما قدم هذا الرجل من السفر ذهب إلى هذا الفقيه وعرض عليه المسألة فقال: هو أنت؟ لو علمت أنه أنت لقلت بقول أشهب، يقول: إنما أفتيته بقول الإمام مالك أنه لا شفعه في الإجارة، ولو علمت أنه أنت -يعني صاحب الشق الآخر من الأرض- لأفتيته بقول أشهب حيث أن أشهب -رحمه الله- من علماء المالكية- يقول بجواز الشفعة في الإجارة في المؤجَر واضح؟ فهو لما عرفه وكان صاحباً له، وكان بينه وبينه مودة قال: لو علمت أنه أنت لقلت في المسألة بقولٍ آخر.
ولها أمثلة كثيرة جداً، ومن ذلك أن أحد الكبراء كان له قصر، وكان هذا القصر يشرف على مستشفى فيه المرضى، ولربما بعض المجانين، فكان هذا الرجل الكبير يتأذى من رؤية المرضى كلما أطل من هذا القصر، وهذه الأرض التي فيها المستشفى كانت موقوفة وقفاً، وكان المذهب في ذلك البلد تجري الفتوى فيه على قول المالكية، فالحاصل أن هذا الرجل الكبير عرض هذه المسألة على طائفة من الفقهاء، فأفتوا بقول الإمام مالك -رحمه الله-، وأن الموقوفات من العقارات والأراضي لا يجوز نقلها بحال من الأحوال، فجاء رجل من الفقهاء وقال: المشارقة يقولون بجواز نقل الأوقاف، أراد أن يتقرب إلى هذا الكبير بفتوى لا يدين الله بها، وإنما أراد أن يتقرب إليه، فجاء بهذا القول، وبهذه الفتيا التي لا يعمل بها في بلده من أجل التقرب إلى هذا الإنسان، وكتب بهذه الفتيا، وخالف جميع الفقهاء في بلده، ثم كان ذلك سبباً لحظوته وتقديمه وأشياء أخرى لا حاجة لذكرها، فعلى كل حال هذا الرجل إنما أفتى بهواه.
فأقول: هذا الإنسان إنما هو متبع للهوى، قد تمرد على الشريعة، ثم أيضاً هو متناقض مع نفسه، الناس الآن الذين يتبعون الرخص إذا جئت في مسائل فيها حيل على الربا قالوا: فلان أفتى بها، وإذا جئت في مسائل المسح على الخفين قالوا: العالم الفلاني الكبير الفقيه الزاهد العابد الورع يفتي بأن الخف المخرق لا حرج بالمسح عليه، لماذا تأخذون بفتياه في مسألة المسح على الخفين ولا تأخذون بفتياه في مسائل أخرى لكم فيها هوى؟ ما الذي حلّل لكم هذا؟ هذا لا يسقط التبعة عند الله -تبارك وتعالى-، فينبغي للإنسان أن يحترز.
والكلام في هذه المسألة بقي فيه بقية، لا أطيل عليكم، أتركها في مرة قادمة، وأسأل الله -عز وجل- أن يفقهنا وإياكم في الدين، وأن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، وأن يرينا وإياكم الحق حقاً وأن يرزقنا إتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه).
http://www.khaledalsabt.com/ref/media/74
¥