* وفي هذا تنبيه لطيف؛ وهو الترتيب والتدرج والرفق فلا يحسن بالمرء عند الإفطار وسماع المؤذن أن يأكل من جميع أنواع الطعام! وهذا ما ينصح به الأطباء ويعرفه كبار السن فإنهم كانوا في السابق لا يعطون الماء لمن وجدوه في حالة يرثى لها من العطش إلا بالتدرج لكي لا يضره؛ لذا من الخطأ ما يفعله بعض الناس من وضع جميع الطعام بعد الأذان فمع ما فيه من ضرر فإنه يؤخرهم عن الحضور إلى الصلاة ويجعلها ثقيلة عليهم.
...
ثم قال رحمه الله " والذكر عنده "
أي ويسن الذكر عند الإفطار, فضمير الهاء يعود إليه؛ وسن هنا الذكر لما في هذا الوقت من الفضل والشرف وقد ورد عند الترمذي [3947] وعند ابن ماجه [1824] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالإِمَامُ الْعَادِلُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ". قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
...
ثم قال رحمه الله " وعلى مفطر رمضان بجماع ولو مرارا قبل التكفير القضاء .. "
أي ومن جامع في رمضان فإن عليه قضاء اليوم الذي جامع فيه وأفسد صيامه.
فالمصنف يرى قضاء اليوم وأن القضاء لا علاقة له بالكفارة؛ فالكفارة على الذنب ويبقى اليوم في ذمته لابد من قضائه.
والقول الثاني في هذه المسألة - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - أنه لا قضاء عليه لعدم ورود الأمر بذلك.
فإن قضى إبراء لذمته فهذا أفضل.
...
قال " ولو مرارا قبل التكفير القضاء وكفارة الظهار .. "
أي جامع عدة مرات قبل أن يكفر عن فعله سواء كان جماعه في نفس اليوم أو في أيام متتالية المهم كان هذا الجماع قبل التكفير فإنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة. هذا قول.
والقول الآخر أن الكفارة تتعدد بتعدد الجماع إذا تكرر في غير اليوم الذي جامع فيه , بمعنى أن كل يوم يعتبر مستقلا بالعبادة؛ فلو جامع ثلاث مرات في ثلاثة أيام فإن عليه ثلاث كفارات.
فالقول الأول قاس الكفارات على الحدود.
والقول الثاني أخرجها عنه؛ ولأن هذا الحكم سيفضي إلى التساهل والوقوع في الحرام وانتهاك حرمة الشهر الفضيل.
أما قوله " قبل التكفير"
يفهم منه أنه لو جامع في أول النهار ثم كفر عن فعله ثم جامع آخر النهار فإن عليه كفارة أخرى. وهذا أحد الأقوال.
والقول الآخر وهو رأي الجمهور أنه لا كفارة عليه لفساد هذا اليوم في حقه وبطلانه فيكتفى بكفارة واحدة عن جميع اليوم.
...
ثم قال " القضاء وكفارة الظهار "
أي يلزمه كما بينا على رأي المصنف قضاء اليوم والكفارة.
قال" وكفارة الظهار"
فهل الجماع في نهار رمضان هنا يعد ظهارا؟!!
الجواب: كلا؛ إنما مراد المصنف رحمه الله أن كفارة الجماع في نهار رمضان مثل كفارة الظهار سواء بسواء.
فيجب عليه العتق فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع يطعم ستين مسكينا. قال الله تعالى في سورة المجادلة (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الآيات 4:3.
ودليل مشابهتها لكفارة الظهار ما ورد عند البخاري [1970] أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ " مَا لَكَ ". قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا ". قَالَ لاَ.
¥