وَكَمَال النِّيَّةِ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ -: أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ غَدٍ، عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ لِلَّهِ تَعَالَى (1).
وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ التَّعْيِينُ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى وَقْتٍ، فَيَجِبُ التَّعْيِينُ فِي نِيَّتِهَا، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلأَِنَّ التَّعْيِينَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، فَيُجْزِئُ التَّعْيِينُ عَنْ نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ فِي الْفَرْضِ، وَالْوُجُوبِ فِي الْوَاجِبِ (2).
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي التَّعْيِينِ إِلَى تَقْسِيمِ الصِّيَامِ إِلَى قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الأَْوَّل: لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ، وَهُوَ: أَدَاءُ رَمَضَانَ، وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ زَمَانُهُ، وَكَذَا النَّفَل، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِمُطْلَقِ نِيَّةِ الصَّوْمِ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وَذَلِكَ لأَِنَّ رَمَضَانَ مِعْيَارٌ - كَمَا يَقُول الأُْصُولِيُّونَ - وَهُوَ مُضَيَّقٌ، لاَ يَسَعُ غَيْرَهُ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ، فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ صَوْمٌ آخَرُ، فَكَانَ مُتَعَيِّنًا لِلْفَرْضِ، وَالْمُتَعَيِّنُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينٍ، وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُصَابُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَبِأَصْلِهَا، وَبِنِيَّةِ نَفْلٍ، لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ كَمَا يَقُول الْحَصْكَفِيُّ (3). وَكُل يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لِلنَّفْل - كَمَا سَيَأْتِي - مَا عَدَا رَمَضَانَ، وَالأَْيَّامَ الْمُحَرَّمَ صَوْمُهَا، وَمَا يُعَيِّنُهُ الْمُكَلَّفُ بِنَفْسِهِ، فَكُل ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْيِينِ (1).
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ، وَهُوَ: قَضَاءُ رَمَضَانَ، وَقَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ مِنَ النَّفْل، وَصَوْمُ الْكَفَّارَاتِ بِأَنْوَاعِهَا، وَالنَّذْرُ الْمُطْلَقُ عَنِ التَّقْيِيدِ بِزَمَانٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ، أَمْ كَانَ مُطْلَقًا، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، فَلَمْ يَتَأَدَّ إِلاَّ بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، قَطْعًا لِلْمُزَاحَمَةِ (2).
30 - ثَالِثًا - التَّبْيِيتُ: وَهُوَ شَرْطٌ فِي صَوْمِ الْفَرْضِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالتَّبْيِيتُ: إِيقَاعُ النِّيَّةِ فِي اللَّيْل، مَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَوْ قَارَنَ الْغُرُوبَ أَوِ الْفَجْرَ أَوْ شَكَّ، لَمْ يَصِحَّ، كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ التَّبْيِيتِ (3).
وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ، يَصِحُّ لَوْ قَارَنَتِ الْفَجْرَ، كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي النِّيَّةِ الْمُقَارَنَةُ لِلْمَنْوِيِّ (4).
وَيَجُوزُ أَنْ تُقَدَّمَ مِنْ أَوَّل اللَّيْل، وَلاَ تَجُوزُ قَبْل اللَّيْل (1).
وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْل الْفَجْرِ، فَلاَ صِيَامَ لَهُ (2).
وَلأَِنَّ صَوْمَ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَاتِ، لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ، فَكَذَا كُل صَوْمِ فَرْضٍ مُعَيَّنٍ.
وَلاَ تُجْزِئُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَيُجْزِئُ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، وَإِنْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهَا لاَ تُجْزِئُ مَعَ الْفَجْرِ، وَكَلاَمُ الْقَرَافِيِّ وَآخَرِينَ يُفِيدُ أَنَّ الأَْصْل كَوْنُهَا مُقَارِنَةً لِلْفَجْرِ، وَرُخِّصَ تَقَدُّمُهَا عَلَيْهِ لِلْمَشَقَّةِ فِي مُقَارَنَتِهَا لَهُ (3).
¥