على أن الحنفية إنما اعتبروا الوعود بصور التعاليق لازمة إذا كان الوعد مما يجوز تعليقه بالشرط شرعا حسب قواعد مذهبهم، حيث إنهم أجازوا تعليق الإطلاقات والولايات بالشرط الملائم دون غيره، وأجازوا تعليق الإسقاطات المحضة بالملائم وغيره من الشروط، أما التمليكات وكذا التقييدات، فإنه لا يصح

تعليقها بالشرط عندهم.

والنافون لوجوب الوفاء بالوعد من العلماء حملوا المحظور الذي نهى الله عنه ومقت فاعله في قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} على من وعد وفي ضميره ألا يفي بما وعد به، أو على الإنسان الذي يقول عن نفسه من الخير ما لا يفعله.

وأما حديث آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان فقالوا بأن ذم الإخلاف إنما هو من حيث تضمنه الكذب المذموم إن عزم على الإخلاف حال الوعد، لا إن طرأ له.

قال الإمام الغزالي: وهذا ينزل على من وعد وهو على عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر، فأما من عزم على الوفاء فعن له عذر منعه من الوفاء، لم يكن منافقا، وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق.

قال الحنفية: الخلف في الوعد حرام إذا وعد وفي نيته أن لا يفي بما وعد، أما إذا وعد وفي نيته أن يفي بما وعد فلم يف، فلا إثم عليه.

القول السادس: إن الوعد إذا كان مرتبطا بسبب ودخل الموعود في السبب، فإنه يجب الوفاء به كما يجب الوفاء بالعقد، أما إذا لم يباشر الموعود السبب فلا شيء على الواعد، وذلك كما إذا وعده أن يسلفه ثمن دار يريد شراءها فاشتراها الموعود حقيقة، أو أن يقرضه مبلغ المهر في الزواج، فتزوج اعتمادا على هذا الوعد. . . ففي هاتين الحالتين وأمثالهما يلزم الواعد قضاء بإنجاز وعده. أما إذا لم يباشر الموعود السبب، فلا يلزم الواعد بشيء.

وهذا هو القول المشهور والراجح في مذهب مالك، وعزاه القرافي إلى مالك وابن القاسم وسحنون.

القول السابع: أما إذا كان الوعد مرتبطا بسبب فإنه يجب الوفاء به قضاء، سواء دخل الموعود في السبب أو لم يدخل فيه، وإن لم يكن مرتبطا بسبب فلا يجب الوفاء به، وعلى ذلك: فلو قال شخص لآخر: أعدك بأن أعيرك بقري ومحراثي لحراثة أرضك، أو أريد أن أقرضك كذا لتتزوج. أو قال الطالب لغيره: أريد أن أسافر أو أن أقضي ديني أو أن أتزوج، فأقرضني مبلغ كذا. فوعده بذلك، ثم بدا له فرجع عن وعده قبل أن يباشر الموعود السبب الذي ذكر من سفر أو زواج أو وفاء دين أو حراثة أرض. . . فإن الواعد يكون ملزما بالوفاء، ويقضى عليه بالتنفيذ جبرا إن امتنع. . أما إذا كانت العدة غير مرتبطة بسبب، كما إذا قلت لآخر: أسلفني كذا، ولم تذكر سببا، أو أعرني دابتك أو بقرتك، ولم تذكر سفرا ولا حاجة، فقال: نعم. أو قال الواعد من نفسه: أنا أسلفك كذا أو أهب لك كذا، ولم يذكر سببا، ثم رجع عن ذلك، فلا يلزم الوفاء به، وهو قول في مذهب المالكية.

وقريب من هذا قول أصبغ الذي حكاه الباجي بقوله: وأما إن كانت عدة لا تدخل من وعد بها في شيء، فلا يخلو من أن تكون مفسرة أو مبهمة فإن كانت مفسرة: مثل أن يقول الرجل للرجل: أعرني دابتك إلى موضع كذا. فيقول: أنا أعيرك غدا، أو يقول: علي دين فأسلفني مائة دينار أقضه، فيقول: أنا أسلفك فهذا قال أصبغ في العتبية: يحكم بإنجاز ما وعد به، كالذي يدخل الإنسان في عقد، وظاهر المذهب على خلاف هذا؛ لأنه لم يدخله بوعده في شيء يضطره إلى ما وعد وأما إن كانت مبهمة: مثل أن يقول له: أسلفني مائة دينار، ولا يذكر حاجته إليها، أو يقول: أعرني دابتك أركبها، ولا يذكر له موضعا ولا حاجة. فهذا قال أصبغ: لا يحكم عليه بها.

فإذا قلنا في المسألة الأولى: إنه يحكم عليه بالعدة إذا كان الأمر أدخله فيه، مثل أن يقول له: انكح وأنا أسلفك ما تصدقها. فإن رجع عن ذلك الوعد قبل أن ينكح من وعد، فهل يحكم عليه بذلك أم لا؟ قال أصبغ في العتبية: يلزمه ذلك ويحكم به عليه، ألزمه ذلك بالوعد.

الاستثناء في الوعد:

نص أكثر الفقهاء على أنه ينبغي للواعد أن يستنثي في وعده بقول: إن شاء الله، وذلك لقوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} {إلا أن يشاء الله}، ولأن الواعد لا يدري هل يقع منه الوفاء أم لا، فإذا استثنى وعلق بالمشيئة الإلهية خرج عن صورة الكذب في حال التعذر.

غير أنهم اختلفوا في حكم الاستثناء في الوعد:

- فقال الغزالي: هو الأولى.

- وقال الجصاص: إن لم يقرنه بالاستثناء فهو مكروه.

- وقال الحنابلة: يحرم الوعد بغير استثناء.

انظر:الأذكار للنووي مع شرحه الفتوحات الربانية 6/ 258، وأحكام القرآن للجصاص 3/ 442 , والمحلى 8/ 29، والمبدع وشرح المقنع 9/ 345، وفتح الباري 5/ 290، والمحلى 8/ 28، والاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص331، وحاشية ابن الشاط على الفروق للقرافي 4/ 24 - 43، والفرق 214, وعارضة الأحوذي لابن العربي 10/ 100. وإتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 7/ 207، وكشاف القناع 6/ 279، وشرح منتهى الإرادات 3/ 456روضة الطالبين 5/ 390, الأشباه والنظائر لابن نجيم الحظر والإباحة ص344 , الفتاوى البزازية (بهامش الفتاوى الهندية) 6/ 3 ,رد المحتار لابن عابدين 4/ 22المنتقى شرح الموطأ للباجي 3/ 227 , الفروق للقرافي 4/ 25, إحياء علوم الدين 3/ 115كشاف القناع 6/ 279.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015