الضابط الثاني ـ ألا يترتب على الأخذ بالأيسر معارضة مصادر الشريعة القطعية، أو أصولها ومبادئها العامة. يفهم هذا الشرط مما ذكره فقهاء المالكية ـ حتى الشاطبي ـ من ضرورة نقض حكم الحاكم أو قضاء القاضي في أمور أربعة ينقض فيها قضاؤه، مما يدل على أنه عند الأخذ بالأيسر لا يجوز الوقوع فيما يخالف هذه الأمور وهي ما يأتي:

الأول ـ أن يحكم القاضي بما يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع، فينقض هو حكم نفسه بذلك،،وينقضه القاضي الوالي بعده. ويلحق بذلك الحكم بالقول الشاذ.

الثاني ـ أن يحكم بالظن والتخمين من غير معرفة ولا اجتهاد، فينقضه هو ومن يلي بعده.

الثالث ـ أن يحكم بعد الاجتهاد، ثم يتبين له الصواب في خلاف ما حكم به، فلا ينقضه من ولي بعده. واختلف هل ينقضه هو أم لا؟.

الرابع ـ أن يقصد الحكم بمذهب، فيذهل ويحكم بغيره من المذاهب، فيفسخه هو، ولا يفسخه غيره. ويهمنا في بحث الأخذ بالأيسر من هذه الأمور الأمر الأول، فقد عدد القرافي صوراً أربعة ينقض فيها الحكم هي: مخالفة الإجماع، والقواعد، والقياس الجلي، والنص. ومثل لكل حالة وبين سبب النقض، ثم قال: فإن مثل هذا لايقر في الشرع لضعفه، وكما لا يتقرر إذا صدر عن الحكام، كذلك لا يصح التقليد فيه إذا صدر عن المفتي، ويحرم اتباعه فيه. أما سبب نقض الحكم المخالف للإجماع: فهو أن الإجماع معصوم من الخطأ ولا يحكم إلا بحق، فخلافه يكون باطلاً قطعاً.

وأما سبب نقض الحكم لمخالفة القواعد والقياس الجلي والنص إذا لم يكن لها معارض راجح عليها فهو أنها واجبة الاتباع شرعاً ويحرم مخالفتها ولا يقر شرعاً ما يعارضها باجتهاد خطأ، لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59/ 4].

فمخالفة النص: مثل لو حكم القاضي بإبطال وقف المنقول، فإنه ينقض حكمه، لمخالفته نصوص الأحاديث الصحيحة بصحة وقف المنقول، منها أن ويؤيده أن عز الدين بن عبد السلام (المتوفى سنة 660هـ) اشترط لجواز التلفيق ألا يكون ماقلد فيه مما ينقض فيه الحكم أي أن تكون المسألة اجتهادية. رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال في حق خالد بن الوليد: «قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله». ومثل جواز الوصية للوارث، فإنه مخالف للحديث المتواتر: «ألا لاوصية لوارث». ومثل إقرار الربا القليل أو الفائدة في حدود (7 %) فإنه مخالف للآيات القرآنية الدالة دلالة قطعية على تحريم الربا: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة:275/ 2]، ومثل تسوية المرأة بالرجل في الميراث فإنه معارض صراحة للنص القرآني: {للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء:11/ 4].

ومخالفة الإجماع: مثل الحكم بحرمان الجد من الميراث إذا اجتمع مع الإخوة مع أن الصحابة أجمعوا ضمناً على ضرورة إرث الجد، وإنما اختلفوا في أنه: هل يرث جميع المال ويحجب الإخوة، أم أنه يرث مع الإخوة. ومثل الحكم بعدم ضرورة القسمة بين الزوجات في بعض الأحوال، فإنه مخالف للإجماع على أن العدل في القسمة واجب. ومثل الحكم بالقرائن في إثبات جريمة الزنا، فإنه مخالف للإجماع والنص القرآني القاطع.

ومخالفة القواعد: مثل لها القرافي بالمسألة السُّريجية (نسبة لأحمد بن سريج الشافعي المتوفى سنة 306هـ) وهي أن يقول الزوج: «إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً» فلا يقع الطلاق عند ابن سريج، وتابعه فيه ابن تيمية وابن القيم، لأن الطلاق الصادر منه لم يصادف محلاً له. فلو حكم حاكم بإقرار الزواج عملاً بهذا الرأي فينقض حكمه - عند المالكية - لمخالفته القواعد، لأن من قواعد الشرع صحة اجتماع الشرط مع المشروط، فإذا لم يجتمع الشرط مع المشروط لايصح أن يكون في الشرع شرطاً.

هذا والوصية لوارث مخالفة للقواعد أيضاً مثل قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وقاعدة (الحكم يتبع المصلحة الراجحة) والمصلحة الراجحة في الإبقاء على روابط الأسرة على أساس من المحبة والتعاون وصلة الرحم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015