6 - ومن ذلك أيضاً أن يسأل أمراً يخالف السنن الكونية, وأخشى أن يكون دعاء كثير من الأئمة: اللهم اجعل الكفار وأبناءهم وأموالهم غنيمة للمسلمين, إيش غنيمة للمسلمين؟ هذا يخالف السنن الكونية، نحن في شهواتنا غارقون كيف يجعلهم غنيمة لنا وقد أخذوا بجميع أسباب القوة، وتمكنوا في الأرض, ونحن في غاية الضعف والتخلف؟ كيف يكونون غنيمة لنا؟ فلا يكونون غنيمة لنا إلا إذا أخذنا بجميع أسباب القوة المادية والمعنوية، والله له سنن, والنبي -صلى الله عليه وسلم- يتضرع في غزوة بدر حتى يسقط رداءه، وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, وقد أخذ بجميع أسباب القوة, ويقول: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني به، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)) [3]، وغير ذلك, ونحن جالسين في شهواتنا, وفي أهوائنا, وفي مشاكلنا, وفي بعدنا عن الله, وعدم الأخذ بأسباب القوة, ثم نقول: اللهم اجعلهم غنيمة باردة للمسلمين, هكذا كلهم في جميع مشارق الأرض ومغاربها, فلو دعينا على فئة على الأقل منهم كان ذلك مقبولاً، أما جميعهم ليكونوا غنيمة لنا فنحن لا نستحق ذلك؛ لأننا لم نأخذ بأسباب القوة, ولم نتأهل لهذا المستوى, الدعاة أنفسهم بينهم من الخلاف والشر ما الله به عليم، فكيف بعامة الناس؟! فالله له سنن، النصر لا يأتي ونحن جالسون، نقول: اللهم اجعلهم غنيمة باردة للمسلمين, إلا إذا كان هذا على فئة معينة منهم اعتدت على المسلمين فهذا ممكن، أما الجميع هكذا فهذا له سنن لا يتعداها.

7 - وهناك صور أخرى من الاعتداء في الدعاء، ومن ذلك تكلف البكاء, فالإنسان يمكن أن يتكلف البكاء إذا كان يصلي منفرداً، أما إذا كان مع الناس ويتكلف البكاء فيخشى أن يدخل هذا في باب الرياء.

أيوب السختياني كان ينشج نشيجاً إذا صلى في الليل لو أعطي الدنيا على أن يسمعه أحد ما فعله, في بيته يسمع له نشيج، صوت البكاء, والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يسمع له أزيز في صدره, ما كان يتكلف البكاء أمام الناس, فهذه قضية يخشى أن تدخل في هذا الموضوع, وبعض الناس يرفع صوته بالبكاء رفعاً زائداً كأنه جالس في مكان سخب أو مأتم أو نياحة، وهذا أمر لا يليق، وقد رأيت بعضهم قطع الصلاة من شدة البكاء، فهذا أمر لا يليق أن يفعله المسلم, والمسألة ليست عواطف, القضية قضية شرعية ينبغي أن تضبط بضابط الشرع حتى تقبل العبادة.

8 - وهناك صور أخرى كأن يسأل الإنسان ربه أمراً ممتنعاً عقلاً هذا لا يكون, أو تحصيل حاصل, كأن يقول مثلاً: اللهم أدخل الكفار النار هو سيدخلهم النار بغير دعائك هذا, فهذا تحصيل حاصل, وهكذا في صور مختلفة.

9 - وأخشى أن يكون تزيين الصوت بالدعاء من الرياء فلا أعرف له أصلاً، تلحين الدعاء، كأن يجعل الدعاء على هيئة الآيات التي تقرأ، يرتل الدعاء وإنما ينبغي أن يلقى الدعاء دعاءً جزلاً في إلقاء جزل؛ وفيه خضوع لله -عز وجل- وخنوع وانكسار وتذلل, وأيضاً فيه تأدب في الصوت والنبرة لا يرفع رفعاً زائداً, وإنما يسمع من وراءه دعاء الخاشع الخائف الذليل, ثم يؤمن من خلفه تأميناً مناسباً لائقاً مع مقام المعبود الذي يناجونه ويقفون بين يديه -سبحانه وتعالى-، أما رفع الأصوات بالبكاء الشديد وبعضهم إذا ذهب إلى بعض المساجد رأيته يعبي جيوبه من المناديل؛ لأنه يتهيأ لنياحة! فهذا أمر لا يحسن ولا يليق, وكثير من الناس يجرون مع العواطف, ولا ينضبطون بالضوابط الشرعية.

وهناك صور أخرى غير هذه، لكن لا أحب الإطالة عليكم، وقد أطلت، أسأل الله -عز وجل- أن يتقبل منا ومنكم, وأن ينفعنا وإياكم بالقرآن العظيم, وأن يجعلنا هداة مهتدين.

تنبيه:

وأنبه إلى ما ذكر الله بعد هذه الآيات من قوله: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] فالإفساد في الأرض, والدعاء من غير خوف، ومن غير طمع هذا كله من مضنة رد الدعاء، كما ذكر الله -عز وجل-, فالإنسان الذي يريد أن يستجاب دعاءه ينبغي أن يكون صالحاً مصلحاً, لا يكون مفسداً في الأرض ويرفع يديه ويقول: يارب يارب, والله -عز وجل- يمقته ويرده خائباً، نسأل الله ألا يردنا وإياكم خائبين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015