والمعتمد في هذا على أقوال ذكرها الأزرقي في أخبار مكة فيها ما يشير إلى حصول هذا التغيير؛ من ذلك: قوله 2/ 62 عن جده –أو من فوقه من شيوخه؛ فالعبارة محتملة-: (والمهدي وضع المسجد على المسعى)، وقوله 2/ 80: (فهدموا أكثر دار ابن عباد بن جعفر العايذي وجعلوا المسعى والوادي فيهما) وعند الفاكهي 2/ 173 –وقد نقل عبارة الأزرقي-: (فيها).

وسوف أتوسع بعض الشيء في الجواب عن هذا الاستدلال لشهرته لدى بعض طلبة العلم الذين يُسمع احتجاجهم به دون أن يكونوا قد أنعموا النظر فيه؛ وهذا مما يعطي انطباعا عن المنهج العلمي الذي سار عليه بعض من تكلم في هذا الموضوع تقريرا واستدلالا.

فأقول وبالله التوفيق: الجواب عن هذا الاستدلال أن يقال:

لم يحصل في توسعة المهدي ولا قبلها ولا بعدها أن توسع المسعى جملةً شرقاً أو غرباً، ويخطئ من يظن ذلك استنادا إلى قصة التوسعة هذه، ويخطئ أيضا من يجعلها أصلا يقيس عليه التوسعة الحالية، وتوضيح ذلك:

أن المهدي في توسعته الأولى اشترى جميع ما كان بين المسعى والمسجد من الدور فهدمها ووسع المسجد، وانتهت التوسعة شرقا إلى حد المسعى، يقول الأزرقي 2/ 75: (فاشترى جميع ما كان بين المسعى والمسجد من الدور فهدمها ووضع المسجد على ما هو اليوم شارعا على المسعى).

إذن التوسعة لم ينل المسعى منها شيء، واستمر المسعى محفوظا من ذلك إلى عهد الأزرقي وإلى ما بعده؛ وهذا معنى العبارة السابقة: (والمهدي وضع المسجد على المسعى) أي أزال البيوت التي كانت بين المسجد والمسعى وجعل المسجد على حد المسعى، وليس أنه أدخل المسعى في المسجد وأنشأ مسعى جديدا وراء ذلك؛ فهذا خطأ، وهذا ما وضحه الأزرقي نفسه حيث قال: (ووضع المسجد على ما هو اليوم شارعا على المسعى).

ويؤكد ذلك ما جاء عند الفاكهي في أخبار مكة 2/ 87: (وأمير المؤمنين المهدي وضع أبواب المسجد على المسعى).

وقد تقدم النقل عن أهل العلم بأن من سعى من داخل المسجد فسعيه باطل، وهذا يدل على أنه ليس من المسعى في المسجد شيء.

هذا عن العبارة الأولى، أما العبارة الأخرى وما أشبهها مما أورده الأزرقي في كتابه؛ فقبل أن أجيب على ما يتعلق بها أشير إلى شيء ينبغي ألا يُهمل أثناء النظر في هذا الموضوع؛ ألا وهو أن الإشارة إلى حصول شيء من التغيير في المسعى لم ينقلها أحد –وأقول هذا بعد بحث طويل- سوى الأزرقي، وكل من جاء بعده وأشار إلى هذا الموضوع -كالفاكهي وابن فهد وابن ظهيرة وابن الضياء والفاسي والصباغ وغيرهم- فهو ناقل عنه، وأما جل مشاهير المؤرخين فلم ينقلوا شيئا يتعلق بهذا الأمر الجلل مطلقا، مع إشارتهم إلى توسعة المهدي للمسجد.

ومثلهم في السكوت علماء الفقه؛ إذ إن جماهيرهم لم يشيروا إلى شيء يتعلق بذلك، مع أن القضية لها ارتباط شرعي، ومن أشار إلى ذلك –كالرملي مثلا- فهو ناقل عن الأزرقي أيضا.

إذن هذه القضية على جلالة قدرها ليس لها من مستند تاريخي إلا ما دونه الأزرقي نقلا عن جده فقط.

هذه لفتة أحببت أن يرمقها العاقل بعين بصيرته، وإن كنت لن أقف عندها.

أقول مستعينا بالله: الجواب عن الاستدلال بما أورده الأزرقي من وجوه:

أولا: المنقول في كتاب الأزرقي -ومن جاء بعده ناقلا عنه- لا يتعلق بالمسعى جميعا؛ إنما يشير إلى أنه طرأ شيء ما على موضع السعي –أي الهرولة- فحسب؛ فقول الأزرقي 2/ 80: (فهدموا أكثر دار ابن عباد بن جعفر العايذي وجعلوا المسعى والوادي فيهما) إنما أراد به بطن الوادي الذي هو موضع الهرولة؛ وهذا يُطلق عليه –أيضا-: المسعى، وهذا الإطلاق أمرٌ معلوم؛ فعند الترمذي عن كثير بن جمهان قال: (رأيت ابن عمر يمشي في المسعى) وفي تحفة الأحوذي 3/ 601: (أي مكان السعي وهو بطن الوادي).

ومنه أيضا قول الأزرقي 2/ 119: (وذرع ما بين العلم الذي في حد المنارة إلى العلم الأخضر الذي على باب المسجد - وهو المسعى - مائة ذراع واثنا عشر ذراعا).

والخلاصة أن المسعى يطلق ويراد به جميع ما بين الصفا والمروة، ويطلق ويراد به بطن الوادي لأنه محل للسعي –أي الهرولة- ومن هذا الباب قول الأزرقي السابق؛ فالتغيير الذي أشار إليه إنما يتعلق بهذا الجزء فحسب دون سائر المسعى؛ وهذا لا شك فيه؛ إذ كيف يُجعل المسعى كله في موضع دار؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015