وقد جاءت أحاديث عديدة تؤيد ذلك منها قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما عندما بعثهما إلى اليمن: «يَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرا» [1]، وجاء أيضاً في الحديث الصحيح الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في بيان هديه عليه الصلاة والسلام: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله بَينَ أَمرَينِ إِلَّا اختَارَ أيسَرَهُمَا مَا لَم يَكُنْ إِثْمَا» [2].
لكنَّ إعمال هاتين القاعدتين -التيسير ورفع الحرج- يجب أن يكون مقيَّداً بضوابط الشرع إذ ليس كلُّ حرجٍ مدفوعاً، ولا كلُّ تيسيرٍ جائزاً، وإلا لأبحنا الاقتراض بالربا تيسيراً على المحتاجين، والزنا لمن لم يستطع على تكاليف الزواج، وهذا لم يقل به أحدٌ من أهل العلم.
2 – أن الاختلاف بين أهل العلم في المسائل الاجتهادية أمرٌ لا ينكرُ بدءً من الصحابة فمن بعدهم، والظن بالمختلفين أنهم لا يقصدون إلا بيان الحق إبراءً للذمة، ولكن قد تختلف الأفهام أو تخفى بعض أوجه دلالات الأدلة عن بعضهم دون البعض الآخر، كما أنه يمكن اطلاع بعضهم على دليل لم يطلع عليه غيره وهكذا، والذين قالوا بعدم جواز توسعة المسعى من أهل العلم لم يخرجوا عن هذا السنن، هدفهم المحافظة على حدود هذه الشعيرة، وعدم التساهل في شأنها، حتى لا تصبح المشاعر مجالاً للتلاعب بها وتغييرها، لا سيما وقد ارتبطت بها عبادة السعي التي هي جزءٌ من شعيرة الحج والعمرة، وترجَّح لهم أن جبل الصفا لا يصل إلى ما وصلت إليه هذه الزيادة.
والذين قالوا بجواز هذه الزيادة يشتركون معهم في وجوب المحافظة على هذه المشاعر وصيانتها، وعدم جواز تغييرها أو الزيادة عليهم، لكنهم يرون أن هذه الزيادة غير خارجة عن حدود مشعر الصفا والمروة.
ومن هنا يتحرر موطن النزاع في هذه المسألة، وهو: هل هذه الزيادة داخلة في حدود مشعر الصفا والمروة فتكون جائزة، أو خارجة عنها فلا تجوز؟ وهذا يعني أنَّ المسألة مسألة إثبات إن وجد الدليل الصحيح المثبت فإنه يجب على الجميع القبول بمقتضاه، وإن لم يوجد فلا يجوز العمل بدون دليل، ويتعيَّن حينئذٍ البقاء على الأصل.
3 – حكم السعي:
أ- السعي بين الصفا والمروة شعيرة في الحج والعمرة، قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158].
وقد جاء في سبب نزول هذه الآية أن أهل الجاهلية كانوا يسعون بين الصفا والمروة لصنمين، صنمٌ على الصفا يسمى إسافاً، وآخر على المروة يسمى نائلة، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان ترك بعض المسلمين السعي بين الصفا والمروة لظنهم أن ذلك إنما كان من أجل الصنمين الذين كانا عليهما [3].
قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وحيث يُنيخ الأشعرون ركابهم لمفضي السيول من إسافٍ ونائل [4]
وروى عروة بن الزبير قال: سألت خالتي عائشة رضي الله عنها، فقلت: أرأيت قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]. فوالله ما على أحدٍ جناحٌ ألَّا يطوف بالصفا والمروة! قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهلَّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله عن ذلك، قالوا يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ} وقد سنَّ رسول الله الطواف بينهما، فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بينهما [5].
قال بعض أهل العلم: إن الآية نزلت في الذين كانوا يتحرجون من أهل الجاهلية من الطواف بين الصفا والمروة لأنهم يصلون لمناة، وفي الصحابة الذين تركوا الطواف بالصفا والمروة لأن القرآن جاء بالأمر بالطواف بالبيت، ولم يأت بالأمر بالسعي بين الصفا والمروة.
¥