وقد يجتهدون في المسألة عندما لا يجدون فيها نصا من الكتاب والسنة وهذا ما أدى إلى التنوع في الأحكام؛ لكن المتتبع لاجتهادهم يلحظ أنه بأنواعه قام على أساس نظرهم إلى علل الأحكام , ورعايتهم للمصلحة , ودرء المفسدة. وعلى هذا الأساس لم يطبقوا بعض الأحكام المنصوص عليها لزوال علتها , أو لعدم تحقق شروط تطبيق الحكم , وإن كان قد يُرى ظاهرا أن هذه الشروط متحققة , أو لغرض الردع والزجر عن الوقوع في المفسدة. كما أدى بهم اجتهادهم القائم على استنباط الأحكام الجديدة تحقيقا للمصلحة ودفعا للمفسدة.

ونتجية لهذا انقسم الفقهاء في هذا العصر في الرأي ما بين مقل ومكثر , فمن المكثرين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم , ومن المقلين: ابن عمر وعبدالله بن عمرو بن العاص والزبير ونحوهم.

والاجتهاد عموما لو لم يكن فيه إلا بيان أهمية معرفة الصواب والبحث لكفى , فكم نحتاج إلى معرفة هل نفوسنا دوما تبحث عن الصواب أم عن هواها وما تشتهي!

زد على أن الاجتهاد يحيي الفقه ويقوي العقل ويبرز شمولية الشريعة واتساعها وجمالياتها.

ومن أسباب الاختلاف في الاجتهاد زيادة على الاختلاف في فهم النص هو عدم وصول النص إلى بعضهم.

ولا تظن أن هذا العصر عاش اختلافا فقهيا كبيرا! كلا فمع هذا الاختلاف إلا إنه كان في أمور معينة قليلة ولاسيما في زمن العمرين لأن الأمر في ذلك الوقت أشبه ما يكون بالتشاور وهو المسلك النافع , ولأنهم كذلك لم يفترضوا وقوع المسائل بل كانوا يجيبون على واقعات حصلت وظهرت الحاجة لمعرفة حكمها.

من أبرز سمات هذا العصر:

تدوين القرآن الكريم في مصحف واحد بعد أن كان موزعا غير مجموع وكان ذلك أن القتل استحر بقراء القرآن في القتال كما قال عمر رضي الله عنه لأبي بكر عندما عرض عليه هذا الأمر.

**

3) عصر ما بعد الراشدين إلى أوائل القرن الثاني للهجرة.

ونقصد بعصر الراشدين عصر الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين , وهذا العصر لم ينته إلا في سنة 41 بمقتل علي رضي الله عنه.

وهذا العصر يبدأ من هذه السنة إلى قبيل سقوط الدولة الأموية في أوائل القرن الثاني للهجرة.

ولم يكن الفقه في هذا العصر شاذا عما سبقه بل كان امتدادا له , لأنه عصر التابعين وقد أخذوا علمهم وطريقة نظرهم عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم؛ فكانوا ينظرون في الكتاب والسنة ويجتهدون فيما عدا ذلك , ناظرين إلى علل الأحكام والمصالح والمفاسد.

ومع هذا فقد عاش هذا العصر أمورا لم يعشها من سبقهم منها:

كثرة الحوادث والواقعات فقد اتسعت رقعة العالم الإسلامي وكثرت الفتوحات , ومن ناتج ذلك كثرة المسائل والتي لابد فيها من حكم إما بنص أو استنباط.

ومنها كذلك انتشار الصحابة والفقهاء في هذه الأمصار مما أدى إلى صعوبة جمع وجهات النظر والنظر الجماعي للمسألة كما كان ذلك في عصر أبي بكر وعمر.

ومنها أيضا أن لكل بلد من الأحوال والعادات وطرق المعيشة ما يختلف به عن البلد الآخر مما لزم من ذلك مراعاة هذه الاختلافات إما بالنظر إلى المصالح والمفاسد ونحو ذلك , فكان كل بلد يأخذ ممن يثق في هذا البلد ويقول بقوله ويدع الآخرين.

من أبرز سمات هذا العصر:

انتشار الحديث وشيوعه وكثرة الرواية في ذلك مما أدى إلى تطور المدرستين السابقتين في عصر الصحابة وهي مدرسة الإقلال من الرأي والإكثار منه.

أما مدرسة الحجاز فهي التي أقلت من الرأي ولم تلجأ إليه إلا عند الضرورة.

ومدرسة الكوفة وهي مدرسة أهل الرأي واختلفوا في أمرين:

1 / الاجتهاد:

مدرسة الحديث لا تأخذ بغير النص بل قد يتوقف بعضهم في الحكم فيما لا نصَّ فيه هيبة وإجلالا وحجتهم في ذلك أن الحكم بالرأي فيه تعدي وتهجم على الشريعة.

أما فقهاء الكوفة فلم يتهيبون من الاجتهاد والحكم بالرأي فيما لم يرد فيه النص ولا يعدون ذلك تعديا أو تهجما على الشريعة والنصوص وحجتهم في ذلك أن أحكام الشريعة معقولة المعنى , وأنها اشتملت على مصالح العباد وعلى تحقيق تلك المصالح فكان لابد من البحث عن العلل والحِكَم والمصالح , وأنهم لم يأتوا ببدع من القول فقد سبقهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وهم من أكابر الصحابة.

2 / افتراض المسائل أو تفريع المسائل:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015