ففي باب الدماء يتفق الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه و مدارسه على أن الحكمة من القصاص هي المحافظة على أرواح الناس وحياتهم، والضرب على أيدي المعتدين وزجرهم عن سفك دماء الأبرياء ظلما وعدوانا أخذا من قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون)
فهل استطاعت المذاهب الفقهية المختلفة تحقيق هذه الحكمة وبلوغ هذا الهدف؟ وهل وفقت لاستنباط القواعد والضوابط الملائمة لها؟ وهل نجحت في المحافظة على أرواح الناس، والقضاء على جريمة القتل أو التخفيف منها؟
بالنسبة للفقه المالكي نستطيع الجواب بنعم على هذه الأسئلة كلها، فقد استطاع تحقيق تلك الحكمة، ووفق في وضع القواعد والضوابط الكفيلة بإنجاحها، ونجح في الحد من انتشار جريمة القتل في المجتمعات التي دانت له مدة سيادته في محاكمها ووجوده في تشريعاتها، حتى إذا غاب عنها تغيرت الأمور ولم يبق مسؤولا عما يجري فيها.
يؤكد ما نقوله أمران:
الأول: نظري تشريعي يتمثل في وضع القواعد الصارمة وغير المتساهلة مع من تسول له نفسه الاعتداء على حياة الناس وأرواحهم.
وهكذا أوجب القصاص في القتل العمد العدوان بقطع النظر عن الآلة المستعملة فيه. والطريقة المتبعة في تنفيذه، وسوى بين القتل مباشرة والقتل تسببا وتوسع كثيرا في مفهوم السببية لتشمل الإكراه على قتل الغير والأمر به. والدلالة على المختبىء المراد قتله وإمساكه لمن يقتله، ومنع الطعام والشراب والدواء واللباس عن المضطر لذلك، وشهادة الزور بما يوجب القتل.
وأوجب قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله أو تمالؤوا عليه، ونفى شبه العمد وضيق من مفهوم الشبهة الدارئة للحد، وفتح باب الاجتهاد في الحدود وجوز القياس فيها، واكتفى في ثبوت القتل بالقسامة والتدمية ولم يقبل العفو من الولي عن القاتل إذا كان القتل غيلة أو حرابة، ولا من الإمام إذا لم يكن للقتيل ولي.
وبهذا التشريع الصارم سد جميع أبواب القتل وأغلق نوافذه وقطع الطريق على المتعطشين لدماء الأبرياء ونزع الحصانة عن الجميع، وضمن للناس حياة آمنة مطمئنة مصداقا لقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون)
يؤكد هذا و هو الأمر الثاني قلة نوازل الدماء في كتب النوازل الفقهية المالكية مما يفسر بقلة حوادث القتل، و يسجل شهادة واقعية باستتباب الأمن في تلك الحقب والبلاد التي ساد فيها الفقه المالكي.
بينما نجد بعض المذاهب الفقهية ضيق في مفهوم القتل الموجب للقصاص وتوسع في مفهوم الشبهة المسقطة للقصاص ومنع القياس في الحدود وأثبتت شبه العمد ورد حديث القسامة.
وبذلك انفتح باب القتل على مصراعيه، وأصبح باستطاعة كل مجرم أن يحقق رغبته، ويقترف جريمته، ويتخلص من عدوه بكل وسيلة من وسائل القتل التي لا قصاص فيها وهو آمن مطمئن على نفسه من القصاص ضامن لنفسه الحياة بعد تخلصه من غريمه.
7 البعد العلمي والمعرفي بنصوص الشريعة الإسلامية وروحها. ومن أجل هذا البعد العلمي المعرفي كان الفقه المالكي أقرب المذاهب الفقهية إلى الكتاب والسنة وأقلها مخالفة للحديث الصحيح. وكان أكثرها صوابا وأصحها قياسا كما قال الشافعي وأرجحها رأيا كما قال الإمام أحمد وأقلها خطأ كما قال ابن خويز منداد. وأحسنها تأويلا وأصوبها جمعا وتوفيقا بين النصوص المختلفة والأدلة المتعارضة. فإن الأعلم والأفقه لا يكون علمه وفقهه إلا هكذا والمتتبع للفقه الإسلامي والفقه المالكي على مستوى الخلاف العالي لا يسعه إلا أن يؤكد صحة هذه الشهادات وصدقها.
8 - : البعد الاجتماعي والمصلحي في توجهاته وأحكامه بفضل اتخاذه المصالح المرسلة والعادات الحسنة أصلا من أصوله الفقهية، ومصدرا من مصادره التشريعية التي بني عليها فقهه، وأرسى عليها قواعد مذهبه واستمد منها آراءه وأحكامه.
وهكذا نراه كلما كانت هناك مصلحة دينية أو منفعة دنيوية لم يرد دليل شرعي على إلغائها أو كانت هناك عادة متبعة في بلد أو سنة مألوفة بين الناس في أفعالهم أو أقوالهم لا تتنافى مع الشرع ولا تخالف قواعده فإن الفقه المالكي يقرها ويرحب بها ويدخلها في منظومته الفقهية ولا ينتظر قيام الدليل الخاص على شرعية تلك المصلحة بعينها أو تلك العادة بذاتها اكتفاء بالقاعدة العامة أن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد، وأنه حينما كانت هناك مصلحة فهناك حكم الله حتى يدل الدليل على خلاف ذلك.
إلا أن المعتبر في المصالح المرسلة ما يحقق المصالح الشرعية لا ما يحقق رغبات الناس و أهواءهم لأن مصالح الناس تتعارض فإن الله تعالى يقول: (و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض ومن فيهن)
9 - : المنطقية والعقلانية في أحكامه لا تجد فيه ما يناقض العقل السليم أو يخالف المنطق الصحيح أو تحيله السنة الكونية، ويرفض ذلك كله ولا يقبله ويشترط الامكان في كل أحكامه ويرد ما يخالفه كما هو الشأن في الأنساب والشهادات والدعاوي.
10: الواقعية، نوازله وفروعه في مختلف الأبواب، موضوعاتها تتراوح بين ما هو واقع وما يمكن وقوعه.
وقد كان مالك رحمه الله إذا سئل عن شيء من ذلك يقول للسائل، سل عما يكون ودع ما لا يكون، وربما أعرض عن السائل، فإذا ألح عليه السائل في طلب الجواب يقول له: لو سألت عما تنتفع به لأجبتك.
ـ عن موقع الشؤون الدينية المغربية بتصرُف
¥