وقد توقف بعض أئمة العلماء فيه لمخالفته لمنهج السلف، كما توقف كثيرٌ من أئمة التابعين وتابعيهم، في نقط المصحف وشكله وكتب أعشاره وفواتح سوره، ولكنهم اتفقوا عليه لما فيه من المصلحة العظيمة، والخير العميم!
ولا يُسمح بجمع القراءات إلا في حال التلقي فقط بشروطه، فالجمع للتعلُّم لا للتعبِّد بذاته!
وإذن فقد تلقَّى الناس الجمع بالقبول، وقرأ به العلماء وغيرهم مشتملاً على شروطه وقواعده الدقيقةِ التي تمنع تركيب القراءات وخلط بعضها ببعض ..
وإذ أقبل الناس من كل حدبٍ وصوبٍ إلى تعلم القراءات بالجمع، تشعَّبتِ الطرق، وكثرت الأوجه، واحتاج الناس إلى ميزانٍ دقيق يزن لهم القراءات، ويُنبِّه على الممنوع منها، ويميِّز كل قراءةٍ عن الأخرى!
من هنا كانت نشأة التحريرات في القرن الخامس الهجري في عصر الأئمة الداني وابن شريحٍ ومكِّي القيسي والأهوازي وأبي القاسم الهذليّ، وغيرهم ...
إنها أمة الإسلام .. أمة الجسد الواحد ..
كلٌّ يسدُّ ثغرة، وكلٌّ يدفع خطراً!
التحريرات كانت كصمام أمانٍ لجمع القراءات ... قام به علماءٌ أفذاذٌ، صنفوا فيها نظماً، ونثراً، فحصروا الآيات القرآنية التي تحتاج إلى تحرير، وبيَّنوا ما فيها من الأوجه الجائزة والممنوعة، استناداً إلى الروايات الصحيحة المتواترة!
تلك الروايات كان الحافظ ابن الجزريّ قد جمعها في كتابٍ واحدٍ من عدة أصولٍ تبلغ سبعةً وخمسين كتاباً في القراءات المتواترة إسناداً ومتناً مع إضافة ستة شروحٍ للشاطبية، فتحرَّر له من طرق الروايات ألف طريق، قال عنها: (هي أصح ما وجد في الدنيا وأعلاه ولم نذكر فيها إلا ما ثبت عندنا أو عند من تقدمنا من أئمتنا عدالته متحقق لقيه لمن أخذ عنه وصحت معاصرته، وهذا التزام لم يقع لغيرنا ممن ألف فى هذا العلم.)
كان محقِّقاً عظيماً، بذل جهده؛ ليصون القراءات القرآنية عن الخطأ ...
فها هي عشرة قراءاتٍ متواترة بطرقٍ تبلغ الألف .. مصححة، منقحة، متواترة إلى معلم البشرية صلى الله عليه وسلم.
جرة قلم:
حرص ابن الجزرى على تحقق اللقيا بين الشيخ وتلميذه وليس إمكانها كما عند البخارى فى صحيحه يدل على صحة ما نقله من القراءات، فرغم تحوط أهل الحديث الشديد إلا أن ابن الجزرى كان أكثر احتياطا ولا غرو فى ذلك فإنه الرواية عن الله عز وجل وتلك نعمة من الله للقراء ..
عودة:
أتى الآن دور المحررون، وقد وجدوا الناس قد ركَّبوا القراءات، وقرؤوا بأوجهٍ لم تتواتر بهذه الكيفية، فانبروا إلى تحرير الآيات القرآنية، مراعين في ذلك كتاب النشر للحافظ ابن الجزري، مع أصوله ..
فقابلوا كل روايةٍ وكل طريقٍ في النشر بأصله، وردُّوا كل خلافٍ إلى أصله كذلك جزئيةً جزئية ..
كان عملهم من الإتقان بمكان!
لذلك كان اسم عملهم هو التحرير!
*************************
أهمية التحريرات:
في ثنايا كتب القراءات المتواترة (الشاطبية والدرة والطيِّبة) نجد نبضاتٍ سريعة، وأكيدة، تشير إلى ضرورة التحريرات ..
في تلك الأبيات الراقية (نظم الطيبة)، كان الحافظ ابن الجزريّ إمام الفنّ وأحد شيوخ الإقراء القدامى، قد قال في باب الإدغام الكبير:
(لكن بوجه الهمز والمد امنعا)
كان يقصد ألا يُقر بالإدغام الكبير على الهمز لأبي عمرو، في مثل قوله تعالى:" ولمَّا يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم"، وكذلك منعه على المد له، في مثل قوله تعالى:" قل لا أقول لكم" ..
وفي حين ترى أن الإمام الشاطبيّ (ت590) في ألفيته وفي باب الإدغام تحديداً قد قال:
(وقطبه أبو عمرو)
فإنكَ تجد تلميذه السخاويّ في شرحه على الأبيات ينبِّه إلى أن الإدغام للسوسيِّ فقط ..
نعلم إذن أننا قد علمنا بذلك عن طريق هذا العلم الجليل .. علم التحريرات!
والكثير كمثل هذين المثالين يؤكِّد لنا أهمية هذا العلم الجليل .. وعِظَم إتقانه!
*********************
افتتاح ديوان الإتقان:
(أول من دوَّن في التحريرات)
إن أردنا التحريرات كعلمٍ مستقلٍ، فإن المفتتح لديوانه بشكلٍ تقريبيّ هو الحافظ ابن الجزري .. إذ ألَّف كتاباً باسم (المسائل التبريزية)، جُلها في التحريرات، وقد نظم الحافظ في اجتماع البدل وذات الياء، فقال:
كآتي لورشِ افتح بمدٍ وقصره:: وقلِّل مع التوسيط والمد مكملا
لحرزٍ وفي التلخيصِ فافتح ووسِّطنْ:: وقصرٌ مع التقليل لم يكُ للملا
فلعلهما من هذه المسائل!
وله العديد من الأبيات التي يُتحف بها علم التحريرات كأبيات ءالآن وسوءات، وغيرهما ..
تبعه بعد ذلك الشيخ شحاذة اليمني، والمنصوري، والطباخ، ويوسف زاده، والمتوليِّ، وغيرهم، وكتبهم مشهورةٌ عند القراء، ومتداولة ..
بعضها مطبوع، وجلُّها مخطوطٌ مفرقٌ على البلدان الإسلامية، في أقسام مخطوطاتها ..
وأما التحريرات بمعنى عدم التركيب، فتجده مبثوثاً في ثنايا كتابات القراء الأقدمين منذ القرن الخامس الهجري، دون استقلال!
لعلك تستفيد من هذه المعلومات من موقع شيخي الدكتور ناصر القثامي .... حفظه الله وأعتقد بأن هذا الكلام من أسلوبه حفظه الله ورعاه
http://alq10.com/mk/
هذا رابط الموقع للدكتور ناصر القثامي ان احببتم الاستفادة منه ...
¥