أقول مستعينا بالله تعالى:

أولا: لاشك في جواز إحراق الحيوانات والطيور النافقة أو المذبوحة بالنار لانتفاء علة التعذيب في ذلك، ودخولها تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم (إنَّ اللّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ. وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ. وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ. فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) رواه مسلم (5011) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.

ثانيا: أما قتلها إحراقاً بالنار ابتداء فهذا محل تفصيل على النحو التالي:

أولا: أن يكون عددها محدودا يسهل السيطرة عليه وحصره من غير مشقة فهذه لا يجوز إحراقها بالنار قبل قتلها عند أكثر أهل العلم، لعموم الأدلة الناهية عن ذلك منها:

ما رواه عَبْد الرحْمنِ بن عَبْدِ الله عنْ أبِيهِ قال: "كُنا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلّم في سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ فَجَاءَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلّم فقال: مَنْ فَجَّعَ هذِهِ بِوَلَدِهَا، رُدوا وَلْدَهَا إلَيْهَا، وَرَأى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فقال: مَنْ حَرَّقَ هذِهِ؟ قُلْنَا: نَحْنُ، قال: إنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أنْ يُعَذِّبَ بالنَّارِ إلاَّ رَبُّ النَّارِ". رواه أبو داود (2676) قال النووي " بإسناد صحيح " ا. هـ رياض الصالحين /297.

وما رواه حمزة الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمَّره على سرية فخرج فيها فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنْ أَخَذْتُمْ فُلاناً فَأحْرِقُوهُ بِالنّارِ» فلما وليت ناداني فقال: «إِنْ أَخَذْتُمُوهُ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ لا يُعَذِّبُ بالنّارِ إِلاّ رَبُّ النّارِ». أحمد (15727)، وأبو داود (2674)، وأبو يعلى (1536).

وما رواه أبو هريرةَ رضي الله عنه قالَ: بَعَثَنَا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم في سريةٍ فقالَ: «إنْ ظفرتُم بفلانٍ وفلانٍ فأحرقوهما بالنار» حتَّى إذا كانَ الغدُ بعثَ إلينَا فقالَ: «إني قد كنتُ أمرتُكُم بتحريقِ هذينِ الرجلينِ ثُم رأيتُ أنهُ لا ينبغي لأحدٍ أنْ يعذّبَ بالنارِ إلاَّ اللَّهُ، فإنْ ظفرتُم بهما فاقتلوهُما» رواه ابن أبي شيبة (28877)، والدارمي (2461) وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عمن تسلط عليه ثلاثة: الزوجة، والقط، والنمل؛ الزوجة ترضع من ليس ولدها، وتنكد عليه حاله وفراشه بذلك، والقط يأكل الفراريج، والنمل يدب في الطعام: فهل لهم حرق بيوتهم بالنار أم لا؟ وهل يجوز لهم قتل القط؟ وهل لهم منع الزوجة من إرضاعها.

فأجاب: ليس للزوجة أن ترضع غير ولدها إلا بإذن الزوج. والقط إذا صال على ماله: فله دفعه عن الصول ولو بالقتل، وله أن يرميه بمكان بعيد؛ فإن لم يمكن دفع ضرره إلا بالقتل قتل. وأما النمل: فيدفع ضرره بغير التحريق. والله أعلم. ا.هـ الفتاوى (32/ 273).

ثانيا: أن تكون كثيرة جدا يصعب ذبحها، أو يكون في ذبحها ضرر بالغ على من يتولى ذلك بانتقال المرض إليه، أو يكون انتقال المرض لغيرها بسرعة لا يمكن معه ذبحها على الطريقة الشرعية، فهنا يجوز قتلها بالنار، أو بغيرها من الطرق المناسبة للقضاء على هذا الداء، فمقصد حفظ أرواح الناس التي جاء الشرع بحفظها والتحذير من إزهاقها بلا حق مقدم على رعاية هذا الجانب (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة:32) وقد جاءت جملة من الأحاديث متضمنة جواز ذلك منها:

ما رواه أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنه أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلّم قال: (نزَلَ نبيّ منَ الأنبياءِ تحتَ شجرةٍ فلَدَغتهُ نملة، فأمرَ بجَهازهِ فأخرجَ من تحتها، ثم أمرَ بيتها فأحرِقَ بالنار، فأوحى اللهُ إليهِ: فهَلا نملةً واحدة). البخاري (3249)، ومسلم (5802). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: " واستدل بهذا الحديث على جواز إحراق الحيوان المؤذي بالنار من جهة أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما يرفعه، ولا سيما إن ورد على لسان الشارع ما يشعر باستحسان ذلك " ا. هـ فتح الباري (6/ 515) وهذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يقع عليه العتب في أصل القتل ولا في الإحراق، بل في الزيادة على النملة الواحدة. شرح

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015