اختلاف العلماء في ألفاظ العموم

ـ[الدكتور صالح محمد النعيمي]ــــــــ[08 - Nov-2007, صباحاً 11:10]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ... وبعد

فهذا بيان لمسألة في الفاظ العموم ....... أقول وبالله التوفيق:

اختلاف العلماء في ألفاظ العموم:

اختلف العلماء في ألفاظ العموم، هل هي موضوعة للعموم أو للخصوص أو ليست لواحد منهما على مذاهب ثلاثة:

المذهب الأول: أن للعموم صيغة موضوعة له تستعمل فيه على سبيل الحقيقة،وإذا استعملت في غيره فهو استعمال مجازي، وهو إثبات الحكم في جميع ما يتناوله اللفظ العام،وهو مذهب جمهور العلماء , وبه قال الكرخي, والجصاص , والبزدوي , وبه قال عامه المعتزلة، وهو مذهب أكثر المتأخرين من مشايخ سمرقند , كالقاضي أبي زيد ومن تابعه.

استدلالهم بعدة ادلة منها:

من الكتاب، في قصة نوح عليه السلام،قال الله تعالى)) فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ))،وجه الاستدلال من هذه الآية: أن نوح عليه السلام، حينما تلقى موعد ربه له بقوله تعالى: ((قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ)) فهم منه أنه ناجٍ هو وجميع أهله الذين معه، ولولا أن اضافة الأهل إلى نوح أكسبت النكرة العموم، لما نادى نوح ربه حينما رأى أن فرداً من أهله سيغرق ((فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ))، ويدل على هذا أن الله تعالى لم ينكر عليه فهمه لهذا العموم، إنما أجابه بما يدل على أنه ليس من أهله الذين يستحقون هذا الإكرام.

اما من السنة، قوله صلى الله عليه وسلم: ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله))، وجه الاستدلال منه: هو أن عمر رضي الله عنه، احتج على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حينما قام بقتال مانعي الزكاة بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الاعلى بهذا الحديث، وكان هذا بإرادة الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكر أحد عليه، وحتى أبو بكر نفسه لم ينكر عليه،فهم من باب العموم، بل عدل إلى التعليق بالاستثناء وهو قوله عليه السلام: ((إلا بحقه)) ولولا أن عمر رضي الله عنه فهم عموم لفظ الجمع المعرف، لما كان له الاحتجاج على أبي بكر رضي الله عنه، ولما صح من الصحابة رضي الله عنه السكوت عليه.

وأيضاً، قوله عليه الصلاة والسلام ((الأئمةُ من قريش)) وجه الاستدلال منه: أن أبا بكر رضي الله عنه احتج على الأنصار بهذا الحديث، ووافقه جميع الصحابة رضي الله عنهم على هذا من غير انكار،فلو لم يكن لفظ (الأئمة) وهو جمع معرف باللام عاماً،لما كان الاحتجاج به من أبي بكر، ولما سكت عنه الصحابة رضي الله عنهم.

المذهب الثاني: أن الألفاظ الدالة على العموم موضوعة لأقل الجمع، وهو الجزم بأخص الخصوص كالواحد في الجنس, والثلاثة في الجمع, ولا يجوز أن تحمل على الاستغراق إلا بدليل،وحكى هذا الجبائي من المعتزلة, والبلخي , وأبي عبد الله الثلجي من الحنفية.

استدلالهم بعدة ادلة منها:

الدليل الأول: من الملحوض أن أكثر استعمال هذه الألفاظ في الخصوص دون العموم، ولذا فقد اشتهر عند العلماء أنه: ما من عام إلا وقدخص.

وأُجيب عن هذا أنه ليس من المسلّم أن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص، ولو سلم فإن كثرة الإستعمال لا تدل على كون الصيغة حقيقة في الخصوص، مجاز في العموم، وله شواهد من العربية، كلفظ الغائط مثلاً يغلب استعماله فيما يخرج مستقذراً من الإنسان، ولم يقل أحد بأنه حقيقة فيه بل مجاز، وهو حقيقة في الوضع المطمئن من الأرض.

الدليل الثاني:كقول السيد لعبده: أكرم الرجال، ومن دخل داري فأعطه درهماً، ومتى جاءك فقير فتصدق عليه، فإنه في كل هذه الحالات لا يحسن الاستفسار عن إرادة البعض، ويحسن الاستفسار عما وراء ذلك، فأولى أن تجعل هذه الصيغ حقيقة فيما لا يحسن الإستفسار عنه دون ما يحسن.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015