قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: (التشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب، و لا مستحب، بمنزلة الواجب و المستحب في العبادات، و تارةً باتخاذ ما ليس بمُحرَّم، و لا مكروه، بمنزلة المحرم و المكروه في الطيبات، و عُلِّل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى، شَدَّد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة، و في هذا تنبيه على كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لِمِثْل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة، و إن كان كثير من عُبَّادِنا قد وقعوا في بعض ذلك، متأولين معذورين، أو غير متأولين و لا معذورين) [اقتضاء الصراط: 1/ 103].
و قال ابن القيّم رحمه الله: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشديد في الدين، و ذلك بالزيادة على المشروع، و أخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه؛ إما بالقدر، و إمَّا بالشَرْع؛ فالتشديد بالشرع كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، و بالقدر كفعل أهل الوسواس، فإنهم شدَّدوا على أنفسهم، فشُدِّدَ عليهم القدر، حتى استحكم ذلك، و صار صفةً لازمة لهم) [إغاثة اللهفان: 1/ 132].
و لا يقال: إنّ أحكام الشريعة تتدرّجُ من الأشدّ إلى الأيسَر، و لا من الأيسر إلى الأشد، باضطراد، لأنّها اشتملت على الأمرين معاً، و هذه المسألة مبسوطة في مباحث النسخ في كتب الأصول، و الأمثلة عليها كثيرة من الكتاب و السنّة، و من استقرأها وقفَ على حقيقةٍ مفادها أنّ التدرّج من الأيسر إلى الأشدّ هو الغالب في النَسخ، و هو ما يصلحُ دليلاً على نقيض ما ذهَب إليه دعاة التيسير، و مؤصّلوه في هذا الزمان.
لقد جاء الشرع بالتشديد بعد الترخيص في مواضع منها ما تقدّم ذِكره من إيجاب الصيام على كلّ مكلّّف بعد أن كان على التخيير في حق من يطيقه.
و نحو ذلك ما جاء في تحريم الخمر من التدرّج من الأيسر إلى الأشد، حيث كان مباحاً على الأصل، ثمّ نزلت الآية لتفيد كراهته بالإشارة على رُبُوِّ إثمه على نفعه، ثمَّ حرّم أثناء الصلاة خاصّة، ثمّ نزل تحريمه في الكتاب، و حدُّ شاربه في السنّة.
و كذلك الحال في تشديد حدّ الزنا من الإيذاء باللسان و اليد، إلى حبس الزواني في البيوت حتى يأتيهن الموت أو يجعل الله لهنّ سبيلاً، ثمّ الجلد للبكر (و التغريب في بعض المذاهب)، و الرجم للمحصن.
و نحوه ما كان من النهي عن الجهاد في أوّل الأمر، ثمّ الإذن فيه، ثم إيجابه على غير ذوي الأعذار بعد الهجرة.
و الأمثلة غير ما ذكرنا على أن الشرع الحنيف جاء بالتدرّج في التشريع من الأيسر إلى الأشدّ كثيرة، و لو أردنا تتبُّعَها، وذِكرَ أدلّتها و ما يتفرّع عنها من مسائل و أحكام، لطال بنا المقام، قبل أن نصير إلى التمام (1).
و هذا يدلّ على نقيض ما تذرّع به الميسِّرون، يسَّر الله لنا و لهم سُبُلَ الهدى، و وقانا مضلات الهوى و موارد الردى.
فإذا أضيف إليه ما قرّرناه آنِفاً، من بُطلان استدلالهم بنصوص الوحيين على الجنوح إلى التيسير على وجه التخيير، ظهر لنا الحق الصريح، و هو إغلاق باب الاجتهاد في مورد النص الصحيح، و وجوب الردّ إلى الله تعالى و رسوله على وجه التسليم و القبول، و الله أعلَم و أحكَم.
--------------------------------------------------------------------------------
المقصِِِد الثاني
أقوال السلف في اختيار أيسَر المذاهب
تذرّع دعاة التيسير في العصر الحديث بما روي عن السلف و الأئمة المتّبعين بإحسان، من استحباب الأخذ بالرُخص.
و من ذلك، قول قتادة رحمه الله: (ابتغوا الرخصة التي كَتَب الله لكم) [انظره في: تحفة المولود، ص: 8].
و قول سفيان الثوري رحمه الله: (إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة , فأما التشديد فيُحسنه كل أحد) [آداب الفتوى للنووي، ص: 37].
و قول شيخ الإسلام ابن تيميّة: (إذا فعل المؤمن ما أُبيح له قاصداً العدول عن الحرام لحاجته إليه فإنّه يثاب على ذلك) [مجموع الفتاوى: 7/ 48].
و قول ابن القيّم: (الرخص في العبادات أفضل من الشدائد) [شرح العمدة: 2/ 541].
¥