ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[17 - Oct-2007, مساء 02:42]ـ
((أولاً: أن هذه الصَّلاة المؤقَّتة محدودة أولاً وآخراً، والمحدود موصوف بهذا الوقت، كما قال تعالى:) إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية103)، أي: صلاتها في هذا الوقت، فإذا أخَّرها عنه بلا عُذر فقد صلَّاها على غير الوصف الذي فُرضت عليه، فترك واجباً من واجباتها عمداً فلا تصحُّ، كما لو صَلَّى بغير وُضُوء عمداً بلا عُذر فإنَّها لا تصحُّ.
لو كان هذا صحيحا لم يكن هناك فرق بين صلاتها قبل وقتها وصلاتها بعد وقتها، والفرق مجمع عليه بين العلماء.
ومعلوم أن الصلاة فرضت على أوصاف كثيرة، وهذه الأوصاف منها ما تبطل الصلاة بتركه ومنها ما لا تبطل الصلاة بتركه، والعلماء مجمعون على هذا في الجملة، فالاحتجاج على البطلان بمخالفة الوصف المشروع مخالف للإجماع.
وهناك صور كثيرة مذكورة في كتب الفقه، وقد أجاز منها الشيخ ابن عثيمين وغيره من أهل العلم صورا ليست واردة ولا منصوصة في الشرع، وولكنها جائزة في الجملة، ومع ذلك لم يكن هذا دليلا على بطلانها.
ومعلوم أن من صلى بغير وضوء لا تصح صلاته لا ناسيا ولا متعمدا، بخلاف المسألة التي معنا فإن الناسي متفق على صحة صلاته، فظهر الفرق، ولو كانت الصلاة في الوقت مثل الوضوء ما صحت بعد الوقت للناسي كتارك الوضوء.
ثانياً: إذا أخَّرها عن وقتها لغير عُذر فقد فعلها على وجهٍ لم يُؤمر به، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عَمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (3). وهذا نصٌّ صريحٌ عامٌ، «من عَمِل عملاً»، عملاً: أيَّ عمل يكون؛ لأنه نكرة في سياق الشَّرط فكان للعموم؛ «فهو ردٌّ»، أي: مردود.
هذا ممنوع؛ لأنه مأمور بالصلاة قبل خروج وقتها، فإذا خرج الوقت فلم يتجدد شيء يمنع هذا الوجوب، ولم يسقط هذا الوجوب عنه بخروج الوقت إجماعا، وإنما تجدد له شيء واحد وهو إثم التأخير، وهذا لا يدل على عدم لزوم القضاء.
الإشكال عند من خالفوا الجمهور في هذه المسألة أنهم يظنون أن الجمهور يسقطون الإثم عمن يقضي بعد الوقت، وهذا لا يقوله عاقل، وإنما الجمهور يلزمونه القضاء مع الإثم أيضا، فقولهم أشد ممن لم يوجب القضاء.
ثم إن لازم هذا القول أن من جاء ببدعة في الصلاة فصلاته باطلة، وهذا القول لا يعرف عن أحد من أهل العلم، فكثير من البدع التي اتفق العلماء على أنها بدعة في الصلاة لا تبطلها.
فالاستدلال بأن هذا الفعل بدعة على بطلان الصلاة واضح الفساد.
ثالثاً: أنه لو صلَّى قبل الوقت متعمِّداً فصلاته لا تجزئه بالاتفاق (4)، فأيُّ فرق بين ما إذا فعلها قبل الوقت أو فعلها بعده؟ فإن كُلَّ واحد منهما قد تعدَّى حُدودَ الله، وأخرج العبادة عن وقتها:) فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: من الآية229).
الفرق بينهما أن من صلى ناسيا قبل الوقت فصلاته باطلة بالاتفاق، فإذا كان هناك فرق بين الأمرين في الناسي فما المانع أن يكون كذلك في المتعمد؟
والجمهور يقولون: إن مؤخر الصلاة عن وقتها ظالم متعد لحدود الله، ولكنها مع ذلك لازمة له مع الإثم الذي يلحقه، فلا تعارض بين الأمرين، كما يلزم الحاج الذي فسد حجه أن يمضي فيه بإكماله.
رابعاً: أن هذا الرَّجُل إذا أخَّرها عن وقتها فإنه ظالمٌ معتدٍ، وإذا كان ظالماً معتدياً فالله لا يحبُّ المعتدين، ولا يحبُّ الظَّالمين، فكيف يُوصف هذا الرَّجُل الذي لا يحبُّه الله لعدوانه وظُلمه بأنه قريب من الله متقرِّب إليه؟! هذا خلاف ما تقتضيه العقول والفِطَر السَّليمة.
وكذلك الذي يصلي في الأرض المغصوبة ظالم متعد، وصلاته صحيحة على قول الجمهور، وكذلك الذي يصلي في ثوب مسروق ظالم متعد، وكذلك الذي يسافر سفر معصية ظالم معتد، وله أن يقصر عند الجمهور.
والجمهور لا يقولون إن الذي يصلي بعد الوقت صلاته صحيحة مقبولة، وإنما يقولون إنها لازمة له مع الإثم، كمن لزمه دين لرجل فأخره سنة عن موعده، فهو آثم بهذا التأخير، ولكنه مأمور بالوفاء، ولا يقول أحد: إن الوفاء بعد كل هذا التأخير ليس عدوانا ولا ظلما.
فالخلاصة أن الاستدلال بأن هذا عدوان وظلم ليس له علاقة بالمسألة مطلقا.
أما قولهم: إنَّه وجب على المعذور القضاء بعد الوقت؛ فغير المعذور من باب أَولى؛ فممنوع، لأن المعذور معذور غير آثم، ولا يتمكَّن من الفعل في الوقت، فلما لم يتمكَّن، لم يُكلَّف إلا بما يستطيع، أما هذا الرَّجُل غير المعذور فهو قادر على الفعل مُكلَّف به، فخالف واستكبر ولم يفعل، فقياس هذا على هذا من أبعد القياس، إذاً؛ فهذا قياس فاسد غير صحيح مع مخالفته لعموم النُّصوص: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (5)، ومع أنَّه مخالف للقياس فيما إذا صَلَّى قبل دخول الوقت.
ولماذا لم يكلف بالكفارة أو بالتوبة دون القضاء والإعادة؟
هذا دليل واضح جدا على أن فعل الصلاة في غير وقتها سائغ في الجملة.
فقياس الذي يؤخر الصلاة عن وقتها على الذي يقدمها على وقتها واضح البطلان.
ونحن لم نقل إن المتعمد يقاس على الناسي، وإنما قلنا: إن الوجوب ثبت في حق المتعمد كما ثبت في حق الناسي، وخروج الوقت لا يزيل هذا الوجوب، وهذا الإيراد لازم للظاهرية لا محيد لهم عنه.
فالصَّواب: أن من ترك الصَّلاة عمداً - على القول بأنه لا يكفر - كما لو كان يصلِّي ويخلِّي، فإنه لا يقضيها
هذا القول لا يعرف عن أحد من السلف، وقد حكى بعض العلماء الإجماع على خلافه كابن عبد البر، ووهم ابن حزم فنسبه إلى عمر بن الخطاب، وابن حزم كثير الوهم في نسبة الأقوال إلى الصحابة والتابعين، وسبب ذلك أنه يفهم كلامهم بظاهريته التي يطبقها على النصوص الشرعية، فإذا كان يفهم من النصوص الشرعية ما لم يفهمه أحد، فغير مستبعد أن يخطئ في فهم أقوال هؤلاء العلماء أيضا، لا سيما وهو لا يوافقهم في كثير مما يقولونه أصلا.
وقد كنتُ لاحظت ذلك بنفسي، ثم سألت أهل العلم لأتحقق من فهمي، فأجابني غير واحد بصحة ذلك، منهم الشيخ عبد العزيز الطريفي حفظه الله.
¥