فلما ضعف هذا الأصل، في قلوب كثير من الناس واضمحل، صار كثير منهم مع أولياء الله، كحاله مع أعداء الله، يلقى كلاً منهم بوجه طلق، وصار بلاد الحرب كبلاد الإسلام، ولم يخش غضب الله الذي لا تطيق غضبه السماوات والأرض، والجبال الراسيات.

ولما عظمت فتنة الدنيا، وصارت أكبر همهم، ومبلغ علمهم، حملهم ذلك على التماسها وطلبها، ولو بما يسخط الله، فسافروا إلى أعداء الله في بلادهم، وخالطوهم في أوطانهم، ولبس عليهم الشيطان أمر دينهم، فنسوا عهد الله وميثاقه الذي أخذ عليهم، في مثل قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [سورة الحشر آية: 7]، ونسوا ما أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم على أصحابه عند البيعة، فكان يأخذ على أحدهم: "أن لا ترى نارك نار المشركين، إلا أن تكون حرباً لهم"، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من جامع المشرك وسكن معه، فهو مثله" 1.

وقد سئل أبناء شيخ الإسلام، رحمهم الله تعالى وعفا عنهم: عن السفر إلى بلاد المشركين للتجارة؟

فأجابوا بما حاصله: أنه يحرم السفر إلى بلاد المشركين، إلا إذا كان المسلم قوياً له منعة، يقدر على

إظهار دينه، وإظهار الدين تكفيرهم وعيب دينهم، والطعن عليهم، والبراءة منهم، والتحفظ من موادتهم، والركون إليهم، واعتزالهم؛ وليس فعل الصلوات فقط إظهاراً للدين.

وقول القائل: إنا نعتزلهم في الصلاة، ولا نأكل ذبيحتهم حسن، لكن لا يكفي في إظهار الدين وحده، بل لا بد مما ذكر.

وقول القائل: إنهم لا ينكرون علينا، قول فاسد، وإنكارنا على من يظن به الخير، ومن يخالطهم يخاف عليه، إن سلم من الردة لا يسلم من الكبيرة الموبقة. وأما من يظن به موادة الكفار وموالاتهم، ويظن به أنه يرى أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين، فليس للكلام معه كبير نفع، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وقد ألزم الله المؤمنين أن يأخذوا ما آتاهم الرسول، وينتهوا عما نهاهم عنه، وكان الصحابة، رضي الله عنهم، شديداً حذرهم عما حذرهم نبيهم صلى الله عليه وسلم. فمن ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أقسم أن لا يظله سقف هو وقاطع رحم، حذراً من قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم"، فكيف بمن جالس كافرا، أو واكله، وألان له الكلام؟! ويذكر عن عيسى عليه السلام، أنه قال: "تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم، واطلبوا رضى الله بسخطهم".

فإذا كان هذا مع أهل المعاصي، فكيف بالمشركين والكافرين والمنافقين؟ قال الله تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} [سورة هود آية: 113]. قال أبو العالية: "لا تميلوا إليهم كل الميل، في المحبة ولين الكلام؛ فتوعد سبحانه بمسيس النار، من ركن إلى أعدائه ولو بلين الكلام".

-2 -

وفي الدرر (8/ 417)

من حمد بن عتيق، إلى الأخ: عبد الله بن صالح، أصلح الله له الشأن، وهداه للإسلام والإيمان؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد، فنحمد الله الذي لا إله إلا هو، ولا رب سواه، ونسأله أن يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم. ووصل إلينا كتابك، وفهمنا مضمون خطابك، وإن كان في صدره ما لا يليق، ولم يصدر عن عين تحقيق؛ وقد علمت ما في مدح الإنسان في وجهه من الذم، وإن كان بحق، فكيف إذا كان بغير ذلك؟

ثم إن في خطابك طلب المشورة مني، بالانتقال من بلادك، فأقول: اعلم: أن الله سبحانه وبحمده، بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحنيفية ملة إبراهيم، وأمره باتباعها بقوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة النحل آية: 123]، وأمره بالتصريح لمن تركها، بأنه لازم لها، وبريء ممن خالفها، بقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة يونس آية: 104 - 105].

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015