من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ محمد بن علي آل موسى، سلمه الله تعالى؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وسبق إليك خط، مع البداة أشرت فيه إلى المسألة التي ذكرت لي من جهة فتوى الوالد الشيخ، قدس الله روحه ونور ضريحه، فيمن يسافر إلى بلاد المشركين. وفي هذه الأيام: ورد علينا خط من ولد العجيري، ذكر فيه أن لفظ الوالد في جوابه قوله: وأما السفر إلى بلاد المشركين، فقد عمت به البلوى، وهو نقص في دين من فعله، لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين؛ فينبغي هجره وكراهته. هذا هو الذي يفعله المسلمون معه، من غير تعنيف ولا سب، ولا ضرب. ويكفي في حقه إظهار الإنكار عليه، وإنكار فعله، ولو لم يكن حاضراً؛ والمعصية إذا وجدت أنكرت على من فعلها، أو رضيها إذا اطلع عليها. انتهى ما نقله.
وهذه العبارة - بحمد الله - ليس فيها ما يتعلق به كل مبطل، لوجوه، منها: أن الذي وقع في هذه الأعصار، وكلامنا بصدده، أمر يجل عن الوصف، وقد اشتمل مع السفر على منكرات عظيمة، منها: موالاة المشركين، وقد عرفتم ما فيها من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وعرفتم أن مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة: منها ما يوجب الردة، وذهاب الإسلام بالكلية ; ومنها ما هو دون ذلك، من الكبائر والمحرمات.
وعرفتم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [سورة الممتحنة آية: 1]، وأنها نزلت فيمن كاتب المشركين بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جعل ذلك من الموالاة المحرمة، وإن اطمأن قلبه بالإيمان; وكذلك من رأى أن في ولايتهم مصلحة للناس، أو للحضر، وهذا واقع مشاهد، تعرفونه من حال أكثر هؤلاء الذين يسافرون إلى تلك البلاد، وربما نقل بعضهم من المكاتبات إلى أهل الإسلام، ما يستفزونهم به، ويدعونهم إلى طاعتهم وصحبتهم، والانحياز إلى ولايتهم.
فالذي يظهر هذه الفتوى، ويستدل بها على مثل هذه الحال، من أجهل الناس بمدارك الشرع، ومقاصد أهل العلم، وهو كمن يستدل بتقبيل الصائم، على أن الوطء لا يبطل صيامه، وهذا من جنس ما حصل من هؤلاء الجهلة في رسالة ابن عجلان، وما فيها من الاستدلال على جواز خيانة الله ورسوله، وتخلية بلاد المسلمين، وتسليط أهل الشرك عليها، وأهل التعطيل، والكفر بآيات الله، وغير ذلك من ظهور سلطانهم، وإبطال الشرع بالكلية، بمسألة خلافية، في جواز الاستعانة بمشرك، ليس له دولة ولا صولة، ولا دخل في رأي، مع أنها من المسائل المردودة على قائليها، كما بسط في غير موضع 1.
وبالجملة: فإظهار مثل هذه الفتوى في هذه الأعصار، من الوسائل المفضية إلى أكبر محذور، وأعظم المفاسد والشرور، مع أن عبارة الشيخ إذا تأملها المنصف، وجد فيها ما يرد على هؤلاء المبطلة.
وقول الشيخ: قد عمت به البلوى، يبين أن الجواب في الجاري في وقته، مع ظهور الإسلام وعزته، وإظهار دين من سافر إلى جهاتهم، وليس في ذلك ما في السفر إليهم، في هذه الأوقات، إذ هو مسالمة وإعراض، عما وجب من فروض العين؛ وإذا هجم العدو، صار الجهاد فرض عين، يحرم تركه ولو للسفر المباح، فكيف بهذا السفر؟
وأيضاً، فكلام الشيخ يحمل على ما ذكره الفقهاء، في أن عامة الناس ليس لهم أن يفتاتوا على ولي الأمر في الحدود والتعزيرات، إلا بإذنه. وقد عرفتم حال أكثر الولاة، في عدم الاهتمام بهذا الأصل، فالافتيات عليهم بالحبس والضرب، ونحو ذلك، مفسدة، تمنعها الشريعة ولا تقرها، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح; فهذا يوجب للشيخ وأمثاله مراعاة المصلحة الشرعية في الفتوى الجزئية، لا سيما في مخاطبة العامة.
وقول الشيخ: لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين، صريح في أن الكلام فيمن لم يفتتن، ولم يستخف بدينه. وقد عرفتم حال أكثر الناس في هذا الوقت، أقل الفتنة أن يستخفي بدينه، وجمهورهم يظهر الموافقة بلسان الحال أو لسان المقال، فهذا الضرب ليس داخلاً في كلام الشيخ رحمه الله.
¥