فهذه الأحاديث الصحيحة ليس فيها كلها إلا مشروعية الرد بالمثل بقوله (وعليكم) أي وعليكم ما تقولون خيرا أو شرا، والحكم فيها معلل حيث قال (إذا سلم عليك اليهودي فإنما يقول السام عليك! فقل وعليك! وقال مرة: (إذا سلم عليكم اليهود فقولوا وعليكم، فإنهم يقولون السام عليكم)، والفاء لترتيب الحكم المذكور على سببه، وفي الحديث تعليل صريح للحكم (فإنهم يقولون السام عليكم)، كما في هذه الأحاديث نهي عن الفحش والتفحش وهو الزيادة بالرد عليهم كما فعلت عائشة بقولها (عليكم السام والذام) (يا أخوان القردة والخنازير .. )، كما لم يأذن للصحابة بقتل أو إيذاء من قال ذلك من أهل الكتاب، وأمر بالرفق بهم!
ولا يفهم من هذه الأحاديث العموم ولا الإطلاق، وإنما هي فيمن يسلم على المسلمين بصيغة الذم أو الدعاء بالشر، فيقتصر عليه بقول (وعليكم) على سبيل المجازاة والمعاملة بالمثل، دون الاضطرار للفحش والتفحش، وهذا من أدب الإسلام، ومكارم الأخلاق التي جاء بها، أما من سلم أو حيا تحية طيبة، فالواجب الرد بأحسن منها أو بمثلها، ولا يحتج بهذه الأحاديث على الاقتصار بقوله (وعليكم) كما ذهب إليه الجمهور، فهذا معارض لعموم قوله تعالى {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}. ([125])
فالواجب بنص الكتاب الرد بالمثل أو بالأحسن، لا الاقتصار على الأدنى كقول (وعليكم)، إذ هذا خاص فيمن قال السام عليكم ونحوها، وليست هذه أصلا تحية فلا تدخل في عموم الآية ـ إذ التحية هي الدعاء بالحياة ـ بل السام دعاء بالشر، فيقتصر في الرد عليها بقول (وعليك) أو (وعليكم) أي ما قلتم.
قال ابن جرير الطبري: ({وإذا حييتم بتحية} إذا دعي لكم بطول الحياة والبقاء والسلامة {فحيوا بأحسن منها أو ردوها} يقول: فادعوا لمن دعا لكم بذلك بأحسن مما دعا لكم {أو ردوها} يقول: أو ردوا التحية). ([126])
وقد اختصر بعض رواة حديث أنس هذا فرووه مختصرا دون ذكر القصة فأخلوا بالمعنى:
فرواه أحمد ثنا هشيم أنبأنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن جده أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم). ([127])
ورواه أحمد ثنا يحيى عن شعبة ثنا قتادة وابن جعفر قالا ثنا شعبة قال سمعت قتادة عن أنس قال سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا:إن أهل الكتاب يسلمون علينا فكيف نرد عليهم؟ قال (فقولوا وعليكم) وحجاج مثله، قال شعبة لم أسأل قتادة عن هذا الحديث هل سمعته من أنس؟ ([128])
وقتادة مدلس مشهور بالتدليس ([129])، ولم يوقفه شعبة على السماع، وكأنه يشك في سماعه لهذا الحديث بهذا اللفظ المختصر من أنس، لأن لفظه عام وكأن الصحابة يسألون عن حكم الرد على أهل الكتاب عموما، فأمرهم أن لا يزيدوا على (وعليكم)، مع إنه إنما قال ذلك فيمن قال السام عليكم، لا في حق كل من سلم من أهل الكتاب كما يوهمه هذا اللفظ المشكل!
ولهذا لم يخرج البخاري ولا مسلم هذا الحديث من طريق قتادة عن أنس مع جلالته!
ورواه أحمد أيضا ثنا إسماعيل بن علية أنا ابن عون عن حميد بن زادويه قال قال أنس بن مالك (نهينا أو قال:أمرنا أن لا نزيد أهل الكتاب على وعليكم). ([130])
فهذه الروايات مختصرة من الرواية المطولة عن أنس في قصة اليهودي الذي سلم وقال السام عليكم، فأراد بعض الصحابة الفتك به وقتله، فنهاهم النبي عن ذلك، وأمرهم أن لا يزيدوا على قولهم (وعليكم)، أي لا يزيدوا في الاعتداء عليه ولا يفحشوا معه بالقول، وأن يقتصروا على ذلك، فاختصره بعض الرواة، واجتزأه من سياق القصة، وصار (أمرنا أن لا نزيد أهل الكتاب على وعليكم) ففهم منه أنه نهاهم عن زيادة (السلام) بعد قول (وعليكم) أو زيادة (ورحمة الله وبركاته)، مع أنه إنما نهاهم عن الزيادة بالفحش والسب كما فعلت عائشة، وأمرهم بالاقتصار على (وعليكم)!
المبحث الخامس: في بيان القول الراجح:
والصحيح من هذه الأحاديث كلها أنه لا يمنع من ابتداء أحد بالسلام من غير المسلمين إلا في حال واحدة وهي حال الحرب، حتى لا يكون أمانا، تترتب عليه أحكام الأمان، أما ما عدا ذلك فيستحب إفشاء السلام على كل أحد مسلم كان أو غير مسلم، كما جاء عن أكثر الصحابة الذين ورد عنهم قول في هذه المسألة رضي الله عنهم.
¥