ولهذا استشكل الطحاوي ذلك فقال (فإن قال قائل فكيف بقي ابن مسعود وأبو ذر وجابر على ما كانوا عليه فيه مما قد رويته عنهم في هذا الباب مما قالوه فيه بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه قد يحتمل أن ذلك كان منهم لأنهم لم يعلموا بما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدث به الناس عن تميم الداري ولا من سروره به فقالوا في ذلك ما قالوا). [271] ( http://www.dr-hakem.com/controlpanel/******s/blank.gif#_ftn271)
ـ[عبدالرحمن بن شيخنا]ــــــــ[02 - Oct-2010, مساء 06:23]ـ
وذكر ابن حجر قول البيهقي: (كأن الذين يجزمون بابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم وإلا فالجمع بينهما بعيدٌ جداً إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به النبي e ويسأله، أن يكون هو في آخرها شيخاً كبيراً مسجوناً في جزيرة من جزائر البحر موثوقاً بالحديد يستفهم عن خبر النبي e هل خرج أولاً؟ فالأولى أن يحمل على عدم الإطلاع…). [272]
بل هذا الذي يجب، إذ لا يتصور أن يكون هؤلاء الصحابة قد اطلعوا أو سمعوا بخبر تميم الداري ثم يحلفون بعد ذلك أن ابن صياد ـ اليهودي الذي كان يعيش في المدينة في حياة النبي e ثم أسلم بعد ذلك ـ هو نفسه الدجال الذي كان موثوقاً في جزيرة من الجزر. قال المزي [273]: (عمارة بن عبد الله بن صياد الأنصاري ـ ولاءً ـ وأبوه الذي قيل عنه أنه الدجال… وكان مالك بن أنس لا يقدم عليه ـ أي على عمارة ـ في الفضل أحداً) وقال أيضاً عن أبي عمارة: (وهو الذي قيل إنه الدجال لأمور كان يفعلها وقد أسلم عبد الله بن صياد وحج وغزا مع المسلمين وأقام بالمدينة) وقد كان ولده عمارة من سادات التابعين وثقاتهم. ومع ذلك كان أهل المدينة يظنون أن أباه هو الدجال لموافقة صفته صفة الدجال التي كان النبي e قد أخبرهم بها [274] إلى أن توفي في المدينة بعد ذلك فثبت أنه ليس هو.
فإذا ثبت ذلك فمن هم الناس الذين خطب بهم النبي e ونادى فيهم (أن الصلاة جامعة) وقص عليهم خبر تميم الداري ـ وكان ذلك سنة 9هـ ـ عندما جاء تميم مهاجراً مسلماً؟!
فهؤلاء الصحابة:عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وأبو ذر وأبو سعيد الخدري وحفصة بنت عمر هم حفاظ السنة وعلماء الصحابة وأعلم الناس بالأخبار والآثار النبوية فإذا كانوا لم يحضروا قصة تميم عن الدجال بل ولا سمعوا عنها ـ وإلا لما ظنوه ابن صياد ولا حلفوا على ذلك ـ فمن الذي حضر هذه الخطبة؟! وكيف يتحدث الناس والأنصار عامة ـ كما في صحيح مسلم ـ أن ابن صياد هو الدجال دون أن يتذكروا أو يذكرهم أحد بخطبة النبي e التي جمعهم فيها وقص عليهم خبر تميم الداري؟!
بل إنه مع كل هذا الخلاف في شأن ابن صياد بين الصحابة إلا أنه لم يثبت قط عن أحد منهم القول بأن الدجال موجود موثوق في جزيرة في عرض البحر!!
وإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحلف على أن ابن صياد هو الدجال عند النبي e ـ كما روى ذلك جابر عنه ـ فإنه أيضاً لم يثبت عنه خلاف هذا القول بعد ذلك ولا دليل على أنه سمع بخبر تميم الداري فرجع عن اعتقاده في ابن صياد.
نعم كان بالإمكان قبول خبر فاطمة لو أنها روته عن النبي e دون أن تقول إن النبي e نادى في الناس ((الصلاة جامعة)) وأنها حضرت الخطبة وكانت في صفوف النساء خلف الرجال … إلخ إذ يمكن القول حينئذ أنها سمعت من النبي e حديثاً لم يسمعه الصحابة الآخرون، أما والحال ما ذكرت في حديثها، فإن ذلك يوجب التوقف في قبول مثل هذا الخبر خاصة وأنه ثبت عن علماء الصحابة وحفاظهم الملازمين لرسول الله e سفراً وحضراً أنهم لم يسمعوا بمثل هذا الخبر بل ولا سمع به الأنصار، بل ولا أهل المدينة مهاجروهم وأنصارهم، بل ولم يسمع به أحد من غيرهم حتى خرج مجالد يروي عن الشعبي ويحدث الناس بهذا الحديث في الكوفة عن امرأة من أهل المدينة أنها شهدت خطبة لم يسمع بها عمر ولا عبد الله بن عمر ولا حفصة ولا ابن مسعود ولا جابر بن عبد الله ولا أبو ذر الغفاري ولا أبو سعيد الخدري ولا أهل المدينة ولا الأنصار الذين ظلوا يعتقون أن ابن صياد هو الدجال؟!
¥