- طريق إبراهيم بن علي الأطروش .. عند (الخرائطي في اعتلال القلوب رقم 279) ومن طريقه (ابن قدامة في التوابين رقم 24) .. رواه عنه: أحمد بن جعفر بن محمد.
قال ابن الجوزي: هَذَا حَدِيث موضوع شديد البرودة، ولقد فضح نَفْسه من وضعه بقوله: وَذَلِكَ حِينَ نزل عَلَيْهِ {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} وَهَذَا إِنَّمَا أنزل عَلَيْهِ بمكة بلا خلاف، وليس فِي الصَّحَابَة من اسمه دفافة.
وَقَدِ اجتمع فِي إسناده جَمَاعَة ضعفاء مِنْهُم المنكدر؛ قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بشيء، وَقَالَ ابْن حبان: كَانَ يَأْتِي بالشيء توهما فبطل الاحتجاج بأخباره.
وَمِنْهُم سليم بْن مَنْصُور؛ فإنهم قَدْ تكلموا فِيهِ.
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر المفيد؛ قَالَ الْبَرْقَانِيّ: لَيْسَ بحجة، قَالَ: وسمعت عَلَيْهِ الموطأ، فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي سَعْد: اخلف اللَّه نفقتك، فأخذت عوضه بياضا.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى، عَنْ جده إِسْمَاعِيل بْن نجيد، عَنْ أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيمَ العبدي، عَنْ سليم، وهَؤُلاءِ لا تقوم بِهِمْ حجة.
وقال ابن الأثير في (أسد الغابة) بعد ان أورد القصة: أخرجه ابن منده، وَأَبُو نعيم، وفيه نظر غير إسناده؛ فإن قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} نزلت في أول الإسلام والوحي والنبي بمكة، والحديث في ذلك صحيح، وهذه القصة كانت بعد الهجرة؛ فلا يجتمعان.
وقال ابن حجر في (الإصابة): قال ابن منده بعد أن رواه مختصرا: تفرد به منصور. قلت: وفيه ضعف، وشيخه أضعف منه، وفي السياق ما يدل على وهن الخبر؛ لأن نزول {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} كان قبل الهجرة بلا خلاف.
وقال ابن عراق في (تنزيه الشريعة): قلت: سليم توبع، فقد رواه عثمان بن عمر الدراج في جزئه؛ فقال: حدثنا أبو نصر أحمد بن محمد بن هشام الطالقاني، حدثني جدي، حدثنا منصور بن عمار، وهذا الطالقاني ما عرفته، وتقدم في المقدمة أحمد بن محمد الطالقاني؛ وأنه مجهول متهم، فما أدري أهو هذا أم غيره.
أقول: أما عثمان بن عمر الدراج فـ (ثقة)، وأما أحمد بن محمد بن هشام الطالقاني فقد اختلف في اسمه اختلافاً كثيرا؛ على هذا النحو:
- أحمد بن محمد بن هشام.
- محمد بن أحمد بن هشام .. زاد الوراق: ابن عيسى المروروذي.
- محمد بن أحمد بن محمد بن هشام.
وقد ذكر الحافظ المزي في ترجمة جده (محمد بن هشام بن عيسى بن سليمان بن عبد الرحمن الطالقاني) أن من الرواة عنه؛ ابن ابنه (أبو نصر محمد بن أحمد بن محمد بن هشام الطالقاني).
فيكون الصواب في ذلك؛ قول من قال: (محمد بن أحمد بن محمد بن هشام) .. فيكون جده هو: محمد بن هشام؛ وهو (ثقة).
ويشهد لذلك ما رواه الخطيب في (تاريخ بغداد 15/ 81)؛ قال:
( .. أَخْبَرَنَا أحمد بن عبد الله بن سليمان الوراق، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن هشام بن عيسى المروروذي، قَالَ: حَدَّثَنَا جدي محمد بن هشام، قَالَ: قَالَ منصور بن عمار: قَالَ لي هارون: كيف تعلمت هذا الكلام؟ قَالَ: قلت: "يا أمير المؤمنين، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامي وكأنه تفل في فيّ؛ وَقَالَ لي: يا منصور؛ قل. فأنطقت بإذن الله).
وكذا أخرجه ابن عساكر في (تاريخ دمشق 60/ 331)؛ قال:
( .. أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَرَّاقُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عِيسَى الْمَرْوَرُّوذِيُّ، _ وَقَالَ ابْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ _، نا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: قَالَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ: قَالَ لِي هَارُونُ: كَيْفَ تَعَلَّمْتَ هَذَا الْكَلامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَنَامِي، وَكَأَنَّهُ تَفَلَ فِي فَمِي؛ وَقَالَ لِي: يَا مَنْصُورُ قُلْ. فَأُنْطِقْتُ بِإِذْنِ اللَّهِ).
وعليه؛ فهذا الحفيد لم أقف على من وثقه، إلا أن الخطيب في إحدى ترجماته المختلفة لاسمه قد وثقه؛ وفي النفس منه شيء.
· وإليك حال رجال أسانيد هذه القصة المفبركة:
-[المنكدر بن محمد]: ضعيف الحديث لا يقيمه، وعامة أحاديثه غير محفوظة، كثير الخطأ، بل قد ترك حديثه غير واحد من الأئمة.
-[منصور بن عمار]: الواعظ القاص؛ ضعيف الحديث جداً، وفي حديثه نكارة، وأكثر أحاديثه لا يتابع عليها. بل قال ابن عيينة: ما أراه إلا شيطانا.
-[سليم بن منصور]: ضعيف، قد تكلم فيه من قبل الأئمة بكلام كثير، وفي حديثه نكارة واضحة.
-[محمد بن الليث الجوهري]: لم يوثقه إلا الخطيب البغدادي.
-[إبراهيم بن علي الأطروش]: مجهول الحال والعين لا يعرف.
-[محمد بن أحمد البغدادي ابن المفيد]: متهم بالوضع، قد أنكر عليه الأئمة أسانيد ادعاها، وكان يروي المناكير عن المجاهيل.
-[أحمد بن جعفر بن محمد]: مجهول الحال والعين لا يعرف.
وعليه فهذه القصة باطلةٌ مكذوبة مفتعلةٌ لا تصح ولا تثبت، وصدق الإمام ابن الجوزي لما قال: (هذا حديث موضوع شديد البرودة)، وأكاد أجزم أن آفته هو منصور بن عمار .. فقد تفرد به كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن منده .. ومنصور هذا ليس ممن يحتمل منه التفرد ولا كرامة؛ وما وصفه الإمام الحجة سفيان بن عيينة بالشيطان عبثا. فتأمل
ومن قرأ عنه في تاريخي بغداد ودمشق أثناء ترجمته = عرف دجل هذا الرجل وجرأته.
ناهيك عن ضعف وخلل كثيرٍ من عبارات القصة.
وقد تساهل ابن عراق لما قال: (وقضيته أن الخبر ضعيف لا موضوع، والله تعالى أعلم).
بل هو حديث بهذه الطرق وهذا المتن = موضوع باردٌ.
¥