و أنت تعلم أنَّ إثبات نسبتها لا يتأتَّى مع فقدانها، ولا يكون بعد إضاعتها، فلو كانت حاضرةً اليوم لأمكن بوسائل الكشف المعاصرة معرفة زمنها، وجنسها، يضاف إلى ذلك أنه صارت المقارنة العلميَّة بين أيِّ شعْرة ثابثةِ النِّسبة و بين شعْرةٍ مشكوك فيها سهلاً ميسوراً، و لَزِِمَ ألَّا يُغْفَل في تحرِّي طرقِ الإثبات وصف شعره - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الكتب الحديثية فإنَّها رافدٌ ومعينٌ.
وفي الختام لو أردنا أن نربط بين الشَّعرة النبويَّة و صحيح البخاري بجامعٍ واحد فليس أمامنا إلَّا ما يرويه البخاري - رحمه الله - في صحيحه الجامع عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لما حلق رأسه كان أبو طلحة أوَّل من أخذ من شعره، وروى البخاري عن محمَّد بن سيرين قال: قلت لعبيدة عندنا من شعرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أصبناه من قِبَل أنس أو من قِبَل أهل أنسٍ، فقال: لأن تكون عندي شعرةٌ منه أحب إليَّ من الدُّنيا وما فيها.
أيُّها القاري الكريمُ
وليس في هذا المرويِّ عن الشَّعرات في صحيح البخاري شيءٌ من المبالغات المفتريات التي نهانا عنها الشَّرع العظيم، بل يؤيده القرآن الكريم في قوله ?وَقَالَ لَهُمْ نبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ ?، ويعضده ما في كتبُ الصِّحاح الأخرى من أحاديث مشابهة للموضوع ويكفيك الثِّقةُ البخاريُّ حجَّةً وسنداً، وهذا شأنٌ لا يستغربُ بشرط أن يُفهم الأمرُ على وجهه، ويُحْملَ على مقصوده؛ إذ إنَّه من معجزات الرَّسول الأعظمِ بعد انتقاله إلى جوار ربِّه، وفيه بيان علوِّ منزلته بالمشاهد المحسوس، و قد صحَّ أنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، ولا يشبِّه عليك الشَّيطان بالقول: إنَّ هذا من الغلوِّ المذموم، فشتَّان بين إثبات ما ثبت له بالطُّرق الصَّحيحة المتواترة على الوجه الشَّرعي وبين أن نثبت له - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما لم يثبت له، ولو كان في هذا الأمر مفسدةٌ ما أثبته البخاريُّ ومسلم وأهل السُّنن والسِّيرة وتلقَّفته الأمَّة بالقَبول جيلاً بعد جيلٍ، لكنَّنا في زمن جُهلت فيه الحقائقُ والأحكامُ، وصار الثابثُ منكراً على ذوي الأفهام، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم. روى البخاريُّ أنَّه كان عند أمِّ سَلمة - رضي اللهُ عنها - جُلْجُل من فضة (إناء صغير يشبه الجرس) فيه شعراتٌ من شَعْر النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستشفي بها المرضى، فإذا جاء مريضٌ صبَّت على هذه الشَّعراتِ ماءً، ثمَّ حرَّكتهُ ثم أعطته الماءَ. قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله في فتاويه 1/ 107 - " ولا أحد يتبرك بآثاره إلَّا محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم، أمَّا غيره فلا يتبرَّك بآثاره. فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم يتبرَّك بآثاره في حياته وكذلك بعد مماته إذا بقيت تلك الآثار ".
وهذا رابط موقع الرقيم ((وهو مجلة أدبية على الإنترنت، تُعنى بالأدب الأصيل، واللغة الراقية، والبحث الجاد، وتتطلع إلى السمو الأدبي، والأداء الفني، والعربية الصحيحة، يشرف عليها / محمد خليل الزروق - عضو هيئة التدريس بقسم اللغة العربية بجامعة قاريونس، ويعاونه نفر من محبي الأدب، ومتذوقي الفن، ويكتب فيها كتاب ليبيون وعرب، وتنشر مقالات يخصها كتابها بها، ومختارات منتقاة لأدباء معاصرين، ونصوصًا تراثية معرّفًا بها)).
http://www.arrakem.com/ar/Index.asp?Page=201