فيؤدي التشبيه مقصوده والغرض منه، وإلا كان في الكلام خروج على أصول البلاغة وحسن الإفهام ينزَّه عنه منصب الشارع.

ثم جينا بأقوال المفسرين الأولين لهذه الآية، والذي هو تفسير العرب الأولين وفهمهم لها، مما يبين أن هذه الآية كانت مفهومة لهم حق الفهم، ولم يكن فيها شيء غير ذي معنى، فمنهم من قال إنها مثل يضرب في التكليف بما لا يطاق، ومنهم من قال إن الكافر يكاد لضيق صدره وضجره بالإسلام لا يجد إلا أن يصعد في السماء نفوراً من الإسلام، وزيغاً عن الحق. كما أن الكثير منا إذا غشيه ما يكره، وجاءته المصايب من كل جهة أحس كأنما هو يختنق، فيقول: أحسن أنني أختنق، والخنق المحسوس الذي هو انقطاع النفس غير مقصود قطعاً. ولهذا نظائر كثيرة حتى في لهجتنا المحكية، نقول نحن في الأردن: فلان يريد أن يقيم الدين في مالطا، دلالة على صعوبة ما يطلب، وأنه ليس في الوسع، وليس المقصود بهذا المعنى الحرفي لهذه الألفاظ، وإنما هو مثل يضرب في التكليف بما لا يطاق، وتقول: فلان يمشي على بيض، وهو مثل يضرب في الدلالة على البطء الشديد وثقل الحركة، وليس المقصود وجود بيض حقيقي يمشي عليه، وكذلك التصعد في السماء ليس المقصود به التصعد في السماء على الحقيقة، وإنما هو مثل يضرب في التكليف بما لا يطاق، والأمثلة على هذا كثيرة في الكلام القديم، منها على سبيل المثال لا الحصر، قوله تعالى ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ? (آل عمران:102)، فإنها تدلُّ بالمطابقةِ على النَّهيِ عن الموتِ، مع أنَّ الموتَ ليس مقدوراً للمكلَّفِ، فلا يكونُ مقصوداً بالآيةِ، وتُصرَفُ دلالتُها من النَّهيِ عن الموتِ الذي لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ مراداً - إذ هو غير مقدورٍ للمكلَّف- إلى النَّهيِِ عن مفارقةِ الإسلامِ حتى المماتِ، كقولِك (لا تمت كافراً)، أو (لا تمت ظالماً) أو (مُتْ شهيداً)، فإنَّ معناها المطابقيّ هو النَّهيُ عن الموتِ على حالِ الكفرِ أو حالِ الظلمِ، أو الأمرُ بالموتِ قتلاً بيدِ الأعداءِ، فلمّا عرفنا أنَّ الموتَ ليس فعلاً للمكلّفِ ولا مقدوراً له، عرفنا – بدلالةِ الالتزامِ- أنَّ المقصودَ بالنَّهيِ ليس النهيَ عن الموتِ حالَ الكفرِ، أو حالَ الظُّلمِ، وإنما النهيُ عن الكفرِ – الذي هو مقدورٌ للمكلَّفِ- حتى يأتيَه الموتُ، وعن الظلمِ – الذي هو أيضاً مقدورٌ للمكلّفِ- حتى يأتيَه الموتُ، وعرفنا بدلالةِ الالتزامِ أيضاً أنَّ الأمرَ ليس بالموتِ، بل بقتالِ الكفّارِ إلى أن يُدركَكَ الموتُ أو تُقتَلَ بيد الأعداءِ.

ومنها الدعاء المأثور (الله متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعل الوارث منا)، فقوله: واجعله الوارث منا لا يُتَصَوَّرُ وقوعُه، إذ لا يعقل أن يرثك سمعك وبصرك، ولكن المقصود ألا يفارقك سمعك ولا بصرك ولا شيء من قوتك حياتَك كلها. فهو مثل يضرب في الدعوة بديمومة الحواس والقوات، فتدعو لنفسك بأن ترثك.

هكذا إذن نفهمُ قولَه تعالى ?كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء? على معهود العربِ الأوَّلين الذين نزل القرآنُ بلسانهم، فنقولُ: لمّا كانَ الصُّعودُ إلى السَّماءِ غيرَ مقدورٍ لِلمُكَلَّفِ، وتكليفاً بما لا يُطاقُ، شبّهَ القرآنُ ضيقَ صدرِ الكافرِ، وحَرَجَه بالإسلامِ، وبدعوةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بمن يصَّعَّدُ في السماءِ، أي بمن يَتَكَلَّفُ ما لا طاقةَ له به، أي إنَّك إذ تطلبُ إلى الكافرِ أن يؤمنَ باللهِ وبالإسلامِ تُكَلِّفُه ما لا طاقةَ له به، فكأنّما هو يَتَرَقَّى في السماءِ نبوّاً عن قبولِ الإسلامِ، واستكباراً، أو نفهمُها على الوجهِ الثاني الذي أشارَ إليه الإمامُ الرازيُّ بمعنى بعدِ الكافرِ عن الإسلامِ كبعدِ الأرضِ عن السماءِ، فهو يضيقُ صدرُه بالإسلامِ، وينبو عن قبولِه، ويَتَحَرَّجُ به، إذ ليس في صدرِه مكان للإسلامِ، فمثلُه في تَكَلُّفِه ما لا يطاقُ مثلُ الذي يُكلَّفُ الصعودَ في السماءِ.

وهذا كافٍ في بيان معنى الآية على معهود العرب الأولين، ويكون زعم من زعم أن الأولين لم يعرفوا لها معنىً، أو لجؤوا إلى تأويلِها لأنهم عجزوا عن تصوُّرِ ما جاءت به زعماً عارياً عن الصحة، ولا نصيب له من الحق.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015