ثم انه تعالى انه هداهم في كل زمان بإرسال رسله وإنزال الكتب يذكرهم بالعهد الأول، ويجدد عليهم العهد والميثاق على أن يوحدوه ويعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وأشار في خطاب آدم وحواء عند هبوطهما من الجنة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}، وفي سورة طه نحو هذا. فما وفى بنو آدم كلهم بهذا العهد المأخوذ عليهم، بل نقضه أكثرهم وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، فبعث الله الرسل تجدد ذلك العهد الأول، وتدعوا إلى تجديد الإقرار بالوحدانية.
فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك نوح عليه السلام، فإن الشرك قد فشا في الأرض من بني آدم قبل نوح فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله وإلى عبادته وحده لا شريك له، كما ذكر سبحانه في سورة نوح عنه أنه قال لقومه: {اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} وأخبر في موضع آخر عنه أنه قال لهم: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} فما استجاب له إلا قليل منهم وأكثرهم أصروا على الشرك {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً} فلما أصروا على كفرهم أغرقهم الله ونجا نوح ومن آمن معه {وما آمن معه إلا قليل}.
ثم إن الله تعالى بعث إبراهيم خليله عليه السلام فدعا إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وناظر على ذلك أحسن مناظرة، وأبطل شبه المشركين بالبراهين الواضحة، وكسر أصنام قومه حتى جعلهم جذاذاً فأرادوا تحريقه فأنجاه الله من النار وجعلها عليه برداً وسلاماً، ووهب الله له إسماعيل وإسحاق، فجعل عامة الأنبياء من ذرية إسحاق، فإن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، وأنبياء بني إسرائيل كلهم من ذرية يعقوب، كيوسف وموسى وداود وسليمان عليهم السلام. وآخرهم المسيح بن مريم عليه السلام: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به، أن اعبدوا الله ربي وربكم}.
ثم طبق الشرك الأرض بعد المسيح. فإن قومه الذين ادعوا اتباعه بالإيمان به أشركوا غاية الشرك فجعلوا المسيح هو الله أو ابن الله، وجعلوا أمه ثالث ثلاثة.
وأما اليهود فإنهم وإن تبرأوا من الشرك، فالشرك فيهم موجود، فإنه كان فيهم من عبد العجل في حياة موسى عليه السلام وقال فيه: انه الله، وان موسى نسي ربه وذهب يطلبه، ولا شرك أعظم من هذا. وطائفة قالوا: العزير ابن الله، وهذا من أعظم الشرك. وأكثرهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فأحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إياهم، لأن من أطاع مخلوقاً في معصية الخالق واعتقد جواز طاعته أو وجوبها فقد أشرك بهذا الاعتبار، حيث جعل التحليل والتحريم لغير الله.
وأما المجوس فشركهم ظاهر، فإنهم يقولون بإلهين قديمين: (أحدهما): نور، (والآخر): ظلمة. فالنور خالق الخير، والظلمة خالق الشر، وكانوا يعبدون النيران.
وأما العرب والهند وغيرهم من الأمم فكانوا أظهر الناس شركا يعبدون الله، وآلهة كثيرة ويزعمون أنها تقرب إلى الله زلفى.
فلما طبق الشرك أقطار الأرض، واستطار شرره في الآفاق من المشرق إلى المغرب بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالحنفية المحضة والتوحيد الخالص دين إبراهيم عليه السلام، وأمره أن يدعو الخلق كلهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فكان يدعو الناس سراً إلى ذلك نحواً من ثلاث سنين، فاستجاب له طائفة من الناس، ثم أمر بإعلان الدعوة وإظهارها، وقيل له: {فاصدع بما تؤمر} فدعا إلى الله وإلى توحيده وعبادته وحده لا شريك له جهراً، وأعلن الدعوة، وذم الآلهة التي تعبد من دون الله، وذم من عبدها وأخبر أنه من أهل النار، فثار عليه المشركون، واجتهدوا في إيصال الأذى إليه وإلى اتباعه، وفي إطفاء نور الله الذي بعثه به، وهو لا يزداد إلا إعلانا بالدعوة وتصميما على إظهارها وإشهارها والنداء بها في مجامع الناس.
¥