وهكذا نرى أن اختيارات او انتقاءات الجابري ليست عفوية كما قد يظن لأول وهلة فهي في الغالب تصب في خدمة مخططه وعملية نقده، وكما ترى فانه نفى الحفظ عن القرآن لان القول بحفظه سيسبب له مشكلة منهجية وقعت فيها مناهج الحداثة العلمانية وهي محاولة تأكيد القول بأن "الوحي" الرباني لايختلف عن النصوص الأدبية التاريخية البشرية ولايتميز عنها الا بخضوعه لتاريخ الوضع والمناخ العالمي يوم نزوله، وكذلك بصياغة عربية ممتازة!، ومن هنا زعمهم بتاريخية القرآن وخروجه من واقعه ومشهورة مقولة نصر ابو زيد عن الواقع اولا والواقع ثانيا والواقع اخيرا! فلذلك نفى الجابرى ان يكون قصد الآية هو "حفظ القرآن" لان القول بحفظ القرآن العظيم ينتهي الى القول بأنه فوق التاريخ، لايخضع له .. آياته وتشريعاته ووعوده وغيبه، وان رسوله مرسل من الله، ليس صناعة ظروف تاريخية او تحولات دولية وتهيئة داخلية! (ومعلوم أن الجابري حاول خلخلة ذلك كله في كتابه" مدخل إلى القرآن) ولذلك اختار الجابري ماهو أهون عليه من القول بحفظ القرآن- وهو تفسير الآية بالقول بأنها تعني "حفظ الرسول من الجنون" وهذا الحفظ لايعني له الشيء الكثير أو بالأحرى لم يتمعن الجابري في لوازمه التي تؤدي الى القول بعدم تاريخية القرآن الذي أُنزل عليه!!، فاذا كان الرب نفسه قد حفظه صلى الله عليه وسلم من الجنون وحفظه في سائر شؤونه وحقق له وعوده فهذا يعني نفي التاريخية التي يحاول الجابري رمي القرآن بها! وعلى كل لقد قام الجابري بمحاولة تبين حجم عقله الذي يتفاخر به العلمانيون! ويبدو كما ترى انها فاشلة ولاتؤدي للغرض!!، ومعلوم أن العلمانيين ينفون تهمة قريش للنبي بالجنون ليضعوا مايظنوا انه أوقع في الحجة و اقرب للعقل المادي! مثل أن الرسول خطط لعودة حزب هاشمي (فرضية سيد القمني الخيالية) أو خطط لإقامة امبراطورية قرشية (فرضية خليل عبد الكريم الواسعة اليائسة!) أو الزعم بفاعلية تاريخية فريدة استخدم لها محمد كل ماهو متاح في البيئة والفكر، حتى الهندوسي منه والأرسطى (فرضية طيب تيزيني) أو انه كان اعقل قومه ولذلك سافر إلى الشام مرات كثيرة في هجرات متتالية للتعلم والدراسة في كنيسة القس إفرائيم أي على مذهب من مذاهب المسيحية السورية! (فرضية هشام جعيط المنسلخة من فرية القس السويدي تور أندري!) وكل هؤلاء اقطاب كبار للعلمانية العربية وليسوا شباب صغير السن ومغامر!

لقد كان الجابري يسابق الزمن فسبقه الزمن ويسابق الوقت فأرداه قتيلا من قال بقيومية كاملة وهو الله تعالى "الشمس والقمر بحسبان" (الرحمن الآية 5) فكل شيء عنده سبحانه بمقدار وحسبان حتى اخذ هؤلاء عافانا الله واياكم من ذلك الخزي، وذلك بعد ان ترك له اختياره الأخير وليرسم لعبته المحطمة وملهاته الخائبة المدبرة في اربعة اجزاء اخيرة ختم بها حياته ليحق قول الله تعالى فيه:" إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ، وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ، إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ، قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ" (سورة الذاريات:5 - 11)

طور بواسطة نورين ميديا © 2015