ـ[طارق منينة]ــــــــ[08 صلى الله عليه وسلمug 2010, 07:28 ص]ـ
لقد نزلت سورة القلم بعد نزول سورة العلق وسورة المدثر وسورة المزمل وهي السور الأولى من الفترة الأولى من زمن البعثة، وقد عدّها جابر بن زيد ثاني السور نزولا وذكر ذلك الزركشي في البرهان، وقد يكون ترتيب نزولها التاريخي لايتجاوز الرابع او الخامس هذا لو ذهبنا مع القول بان فاتحة الكتاب وسورة المسد نزلتا قبلها.
والقارئ لكتب التفسير وعلوم القرآن يصل الى واحد من الأقوال السابقة لا يبعد عنها، فان الذين شاهدوا التنزيل ومكانه وزمانه وهم الصحابة هم من بلغونا بحقائق هذا الترتيب وان ظهرت اختلافات طفيفة في الروايات لسبب ظن التوهم اوالتناقض وليس كذلك او لضعف الرواية او لسبب الاجتهاد المقبول والمعتمد علي رواية صحيحة.
اما المعْنِيون المُعَينون باختراق التراث ومحاولة تفسير القرآن او بعض سوره تفسيرا ماديا (محمد أركون –نصر ابو زيد –الجابري) كنماذج صارخة،فهؤلاء لم يعطوا اي اعتبار للتفاسير واعتبروها تفاسير ايديولوجية مغرضة! وعلى ذلك وجدواالبديل في المناهج الحديثة التي تتناول النصوص اللغوية او الدينية بالتفكيك والتحليل والتفسير والتأويل .. بمناهج الشذوذ المعرفي.
وقد ذكرتُ أن نولدكه (المستشرق الالماني صاحب كتاب "تاريخ القرآن") اتخذ المذهب الوضعي للقرن التاسع عشر معمذاهب أخرى في محاولته العلمانية لهدم القرآن، من خلال المرور على الألفاظ وتحميلها بمحامل ليست فيها أصلا ولا في التاريخ المعني ولافي حقيقة الوحي، كما انه اتخذ لنفسه ترتيبا خاصا مخترعا وملفقا صنعه هو لنزول القرآن غير ما ذكره علماء الامة، ليصل بالقارئ العصري الى نتيجة أن الصراع القديم والفكر القديم هو من شكّل النصوص وحرّك محمد -رسول الله-لتطوير النص وتشكيل حروفه وكلماته!
وفيما نضبط نصر أبو زيد متسللا وسالكا مسلك القدح الخفي والصريح أحيانا في القرآن عن طريق تأويله تأويلا علمانيا -من غير ان يقوم بصنع ترتيب للتنزيل مصطنع ومكشوف كنولدكه ومَن قبله؛ نجد محمد عابد الجابري يسلك طريقا ملفوفا وبطيئا وطويلا ومتعرجا وشبيها بما كان قد ذهب اليه نولدكه سواء تعلق ذلك بوضع ترتيب خاص به لنزول السور ام باتخاذ المنهج المادي في تفسير الألفاظ والمصطلحات والإعلانات والآيات.
وفي سياقنا هنا وهو ليس في كل حال تفسيرا للسور المكية بقدر ما هوكشف التخرصات العلمانية واليأس الاستشراقي من خلال كشف تعليقاتهم البائسة على السور، وكذلك اكتشاف الرصد القرآني لو صح التعبير لمحاولاتهم وما يختلج في نفوسهم ويظهر على ألفاظهم وقسمات وجوههم، كما سيأتي في عرض هذه السورة العجيبة، وكذلك اظهار الوعود التي تحققت في اشباههم وبيان انهم لم يلتفتوا اليها وهي الوعود التي لا يستطيعون تجاهها حراكا ولا جدالا، وانما يحومون حولها في سكون محموم وإحجام مفهوم كالثعبان الذي يبدو على وشك اصطياد فريسته فيما هو يترنح في هدوء ظاهر من اثر سم مميت نفثته في فيه ضفدعة صغيرة كان على ثقة من التقامها!! وقد شاهدت هذا المنظرالعجيب في قناة ديسكفري!.
نقل الجابري ترتيب نزول سورة القلم الى الرقم 35، وجعل مرحلتها في غير زمنها الاول ليتسق ذلك مع محاولته التلاعب بالأسماء القرآنية وتلفيق صلة لها بالاسماء التي انتجها الصراع القبلي او الطبقي او ادت اليه وسائل الانتاج الاقتصادية والأوضاع المادية!
فعل ذلك مع قول الله تعالي في سورة القلم (أفنجعل المسلمينكالمجرمين ما لكم كيف تحكمون) (35 - 36) فبعد ان عزل التفسير الاسلامي والمعنى القرآني، وبعد أن أرجع الامر لمعطى معرفي قديم شكلته اساطير وأوضاع مادية وثقافية قال: " فاصطلاح "الإسلام" يعني الاستسلام والخضوع ويكتسي في الحقل الدلالي العربي الخضوع لسلطة في جماعة أو دولة، وهكذا لم يبدأ استعمال هذا اللفظ في القرآن الا بعد ان صار من كانت تدعوهم قريش "اتباع محمد" جماعة تجمعها كونها أتباع رئيس معين هو النبي عليه السلام من جهة وانفصالها عن قريش من جهة أخرى" (1/ 181)
هنا حاول الجابري ابعاد حقيقة ان لفظ مسلم او الإسلام كان معروفا في بدء الدعوة! وذلك بزحزحة زمن نزول سورة القلم من فترة نزول سورة العلق والمدثر الى فترة متأخرة.
¥