وإنّ أكبر دليل على أنّ الإسلام دين الله العليم الخبير هو أنه راعى الثابت والمتحوّل في الكيان الإنساني والحياة البشرية، فأنزل الشرائع الثابتة للجوانب الثابتة في كيان الإنسان، وأعطى أُطراً عامة للأمور المتحولة في حياة الإنسان، فالإسلام مثلاً أعطانا أحكاماً عامة محدودة في مجال الحياة الاقتصادية فحرّم الربا وأحلّ البيع وأوجب الزكاة وفرض الميراث ولم يلزمنا بزراعة معيّنة ولا بطرق زراعيّة معيّنة ولا بموادّ معيّنة ولا بتجارة معيّنة ولا بصناعة معيّنة الخ. . . إنما ترك ذلك لظروف الزمان والمكان.

ولقد حدّثنا القرآن عن أمور غيبيّة متعددة، فحدثنا الله تعالى عن ذاته وعن الجنّة والنار والملائكة وخلق الإنسان وخلق الكون الخ. . . ومن الواضح أنّ قوانين عالم الغيب لا تنطبق بحال على عالم الشهادة، وإن معظم الضلال الذي وقع فيه الفلاسفة والمعتزلة جاء من قياس عالم الغيب على عالم الشهادة وسحب قوانين الشهادة على عالم الغيب، وقد وقع الدكتور شحرور في هذا الخطأ، ومن أمثلة هذا قياسه كلام الله على كلام البشر، لذلك تخيّل أنّ القرآن الموجود في اللوح المحفوظ لابد له من الانتقال إلى صيغة لسانية عربية قبل إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم ليلة القدر وهي ليلة إشهار القرآن الكريم في نظره.

ولكن هذا القرآن الكريم الذي تكلّم الله به والذي كان موجوداً في اللوح المحفوظ، لا نعرف الكيفية التي تكلم الله بها لأننا نجهل ذات الله وبالتالي لا نستطيع أن نخوض في هذه التفصيلات لأنها ستكون بلا سند شرعي أو عقلي.

دندن الدكتور شحرور كثيراً على الجبريّة في فهم القضاء والقدر، مع أنّ المسلمين الأوائل لم يفهموا القضاء والقدر بحال من الأحوال على أنّه السلبية والتواكل وسلب الإرادة، بل فهموا القضاء والقدر على أنه الإيجابية نحو الأحداث، والأخذ بالأسباب وثمّ التوكل على الله، كذلك كان فهم القضاء والقدر بتلك الصورة عاملاً إيجابياً في بناء الشخصية المسلمة على مدار التاريخ، وفي دفعها إلى الفعل والبناء وإعمار الكون، وجلّ الدَخَن الذي دخل فهم المسلمين للقضاء والقدر من ثقافات خارجية وأبرزها التصوف الذي رسّخ السلبية، ودعا إلى إسقاط التدبير والانشغال بالذات وترك الخلق للخالق.

وقد تجاوز المسلمون هذا الفهم الخاطئ للقضاء والقدر في العصر الحديث، وجاء ذلك نتيجة عاملين:

الأول: إبراز معظم الصالحين أوجه القصور في فهم القضاء والقدر الذي ورثناه في العصور المتأخرة، وإبراز الصورة الصحيحة لما يجب أن يكون عليه الإيمان بالقضاء والقدر.

الثاني: انحسار موجة التصوف التي كانت سبباً في رواج الفهم الخاطئ للقضاء والقدر.

لذلك فإني أرى أنّ دندنة الدكتور شحرور حول القضاء والقدر ليست في محلّها بعد أن تجاوز المسلمون هذه الظاهرة في وقتنا الحاضر.

اعتمد الدكتور محمد شحرور على عقله وحده في تفسير كثير من الآيات الكريمة فجاء بعجائب من التفسير، وهو أمر طبيعي لكل من اعتمد على العقل وحده دون المزاوجة بين العقل والنقل في فهم الآيات وتفسيرها، ودون الاعتماد على المأثور من الأقوال، ونستطيع أن نمثّل على مقولتنا بآيتين:

الأولى: قوله تعالى: " وإنْ مِنْ أمّةٍ إلا خلا فيها نذير " (فاطر،24) فسّر النذير بالملاك، وقرّر أنّ الله كان يرسل ملائكة إلى البشر قبل نوح عليه السلام الذي اعتبره أوّل رسول إلى البشر، وزعم أنّ قوله تعالى: "كذّبت قوم نوح المرسلين" (الشعراء،105)، وقوله تعالى: "كذّبت ثمود بالنُّذُر" (القمر،23) يعني أنّ تلك الأقوام كذّبت بنبيّهم وبالملائكة الذين أرسلوا إلى البشر يكلّمونهم ويدعونهم، ورفض التفسير الذي ذكرته معظم التفاسير وهو أنّ الله سبحانه بيّن أنّ تكذيب رسول واحد يعني تكذيب جميع رسله، لذلك جاءت كلمة الرسل بالجمع وليس بالمفرد لتشير إلى هذا المعنى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015