وهذه الآيات العظيمة من أعظم الآيات الدالة على توحيد الربوبية، وعلىأنه أمر فطري فطر الله تعالى الخلق عليه، فمعناها ومضمونها مؤكد لقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30] فهذا الإيمان والإقرار بربوبية الله تعالى، وأنه هو وحده الرب الخالق الرازق وأنه يجب علينا أن نعبده وحده، وأن نتوجه ونتقرب إليه وحده، هذا أمر فطر الله عليه كل نسمة خلقها منذ أن خلق الإنسان الأول أبانا آدم عليه السلام إلى آخر مخلوق يُخلق في هذه الأرض. ويتضح بذلك ما سبق بيانه وهو بطلان قول المتكلمين الذين قالوا: إن أول ما يجب على الإنسان هو: النظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك، أو ما أشبه ذلك ليستدل على وجود الله وإلا كان إيمانه عن تقليد!

فحكم بعضهم بأن هذا كفر، وقال بعضهم: إن الإيمان عن طريق التقليد ليس بكفر وإنما هو معصية!

وقال البعض: إنه من الخطأ المغفور له، وهذا من الخبط والتخليط الذي سببه الابتعاد عن الدليل، والإعراض عن كتاب الله تعالى المصرح فيه بأنه تعالى فطر العباد على التوحيد، وشهدت بذلك الأحاديث الصحيحة التي سبق ذكرها، ولا يوجد خلاف فيها بين أهل السنة والجماعة.

وقد حصل الخلاف هل كَانَ الإشهاد حقيقياً؟ يعني: هل الله تَعَالَى استخرج من ظهر آدم ذريته عَلَى الحقيقة كالذر، وأشهدهم عَلَى أنفسهم، وخاطبهم واستنطقهم ونطقوا؟ أم أن هذا مجاز أو للتقريب؟! وتعلمون أننا قد رجحنا مقدماً أن الأمر عَلَى الحقيقة، وأن هذا هو الأصل الذي يجب أن نسير عليه، فلا عدول عن الحقيقة، ولا عن ظواهر النصوص الشرعية أبداً فهذا هو مضمون الآية.

ومعناها الذي أخبر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به، وفي قوله تعالى: بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172] سواء كانت قراءتنا في الآية شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا فيكون المعنى وأنطقناكم واستشهدناكم عَلَى الربوبية أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أو قرأناها بَلَى شَهِدْنَا فتكون كلمة شَهِدْنَا هنا من قول الذرية، ثُمَّ قال تعالى: أَنْ تَقُولُوا أي: فعلنا ذلك وأخذنا الإقرار منكم لكي لا تقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنا كنا عن هذا غافلين، فلا عذر ولا حجة لِمَنْ يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ، وقد عَبَدَ غيرَ اللهِ تَعَالَى بأن يقول: إني كنت في غفلة عن هذا الأمر، أو إنني إنما اتبعت شرك آبائي وأجدادي. ولكن هل اكتفى الله تَعَالَى من الأعذار لبني آدم بهذا الإقرار؟ وهل يحاسبهم يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مجرد هذا الإقرار؟ "لا"؛ لأن الله أعذر بغير هذا الإقرار، وهم: الرسل. رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل [النساء:165].

لهذا لا يكون السؤال يَوْمَ القِيَامَةِ عن الإقرار، وإنما يكون مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65] فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:6].فالله يسئل الرسل: ماذا أُجبتم؟

ويسأل المرسل إليهم: ماذا أجبتم المرسلين؟

أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأنعام:130] ويقول: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك:8] فيقررهم الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى إرسال الرسل وكفرهم بهم، وليس عَلَى مجرد الإقرار، وهذا فضل منه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وقطع للحجة لكي لا يبقى بعد ذلك عذر لأحد.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015