كيف نرجو رحمة الله؟

ـ[د/محمود شمس]ــــــــ[20 Feb 2009, 12:49 ص]ـ

كيف نرجوا رحمة الله؟

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. وبعد:

فإنه مما لاشك فيه أن الإنسان يعيش في تلك الدنيا برحمة الله تبارك وتعالى:

وكما نعلم أن رحمة الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى:

1 - الرحمة العامة، وهي التي بها يعيش الإنسان ويتلذذ بنعم الله سبحانه وتعالى، وتكون للكافر وللعاصي وللإنسان والحيوان وسائر المخلوقات.

ولذا نجد الحق جل وعلا يقدم الله سبحانه وتعالي الرحمة على المغفرة في موضع واحد في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُور.

حيث تتقدم المغفرة على الرحمة في القرآن كله سوي هذا الموضع.

وعندما تتدبر تدرك أن المغفرة والرحمة يختم الله بها آيات تتحدث عن ذنوب ومعاص للعباد ارتكبوها؛ فيفتح الله لهم أبواب المغفرة حتى يعودوا لربهم، ثم يثنّي بالرحمة إشارة إلى أن مغفرته لذنوب العباد إنما هي رحمة منه سبحانه وتعالى. اقرأ قول الله سبحانه وتعالي:

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

أما في الموضع الذي قدّم الله فيه الرحمة علي المغفرة؛ فلا تجد الآيات تتحدث عن ذنوب للعباد وإنما تتحدث عن كمال قدرة الله سبحانه وتعالي في ملكه وأن العباد جميعا يتنعّمون في مُلك الله عز وجل برحمته وليس بذكاء منهم ولا بحسن تصرف؛ ولذا قدّم الله عز وجل الرحمة ههنا حتى يدرك العباد ذلك؛ فإذا أدركوا ذلك وتيقّنوا أن لهذا الكون ربّا إلها خالقا يستحق العبادة دون شريك فهو رحيم حتى يفتح الله لهم باب التوبة والرحمة.

2 - الرحمة الخاصة، وهي تأييد الله لعباده المؤمنين وتوفيقه لهم، وتلك الرحمة الخاصة لعباده المؤمنين، وهي التي ينبغي على المؤمن أن يرجوها.

3 - رحمة الله لعباده المؤمنين، وهي لخاصتهم، فهي الرحمة المدخرة التي يؤثر الله بها من يشاء من عباده، وهي التي تجدها في القرآن الكريم (رحمة من عندنا، أو رحمة من لدنا) لأن عند، ولدن كلاهما ظرف ومعنى الظرفية يدل على أن الرحمة هنا مدّخرة عند الله سبحانه وتعالى ويُؤثر بها من يشاء من عباده.

4 - ولتعلم أخي أن الرحمة التي هي من لدن رب العالمين أو من عند الله وإن كانت لخاصة الخاصة إلا أن الله عز وجل علّمنا أن نطلبها منه سبحانه وتعالى: اقرأ قوله عز وجل: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.

وقوله تعالى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.

فقد علمنا الله أن نطلب تلك الرحمة التي هي لخاصة الخاصة ولذا قال الله تعالى عن العبد الصالح قال سبحانه: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا.

فالله آتاه رحمة من عنده، وعلّمه من لدنه؛ فتأمل وتدبر.

وإياك أن تظن أنك لا تستطيع أن تحصل على تلك الرحمة، فإن الله سبحانه وتعالى قد بيّنّ لنا أنّ تلك الرحمة تُنال بالتضرع والتذلل والخضوع والانقياد لأمر الله سبحانه وتعالى، ويتجلى هذا في قصة نبي الله أيوب عليه السلام فقد ذكر الله استجابته لأيوب وكشف ما به من ضر وآتاه أهله ومثلهم معهم، وذكر الله ذلك في موضعين في كتاب الله سبحانه وتعالى لنقرأ الموضعين ونتدبر قال تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَي رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ.سورة الأنبياء.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015