وختم فصله هذا بحكم تهكمي ـ غير مسوَّغ علميا ًـ مفاده أن مفسري القرآن الكريم في ذلك الوقت كانوا يميلون مع اتجاهاتهم الإيديولوجية أنىّ مالت هذه الاتجاهات، وقد صبغت هذه الاتجاهات القرآن الكريم وفسَّرته وفق هذه الاتجاهات، حيث وجدنا هناك من يفسر القرآن تفسيراً رأسمالياً، وهناك من يفسره تفسيراً يؤيد الحكم المطلق، وهناك من يفسره تفسيراً يؤيد الحكم البرلماني الديمقراطي [13].

تقييم ونقد

وفي الخاتمة، يمكن لنا أن نقول: إن هذا الكتاب الذي استطاع أن يفرض نفسه على المكتبة الاستشراقية، بحيث أصبح الآن مرجعاً أساسياً لا غنى عنه لأي باحث غربي في ميدان حركة التفسير ومدارسها في العصر الحديث، قد حافظ على النظرة الاستشراقية التقليدية لمجمل حركة التفسير في العصر الحديث تلك النظرة التي تعود إلى كتابات غولد زيهر في هذا الميدان بشكل عام، إلا أنه مع ذلك قد استطاع أن يضيف على الأقل شيئا جديداً على مستوى المادة والتحليل أثناء دراسته لاتجاه التفسير العلمي، وربما يعود ذلك إلى عدم وجود كتابات لغولد زيهر عن هذا الاتجاه الذي اشتد عوده وظهرت ملامحه بقوة بعد وفاته عام 1921. هذا بالإضافة إلى حرص المؤلف المستمر على الالتفات، ولو بشكل سريع وموجز، إلى السياق المسيحي الحديث فيما يتعلق بنظرة وطريقة تعامل المسلمين والمسيحيين المعاصرين مع كتابهم المقدَّس.

ويمكن القول أيضاً: إن معظم الباحثين المعاصرين الذين اهتموا بدراسة وتأريخ حركة التفسير في العصر الحديث قد تبنوا بشكلٍ أو بآخر مع بعض الزيادات النموذج التصنيفي الذي اعتمده جانسن، وشاركه في الدعوة إليه في الفترة نفسها عفت محمد الشرقاوي في كتابه"اتجاهات التفسير في مصر في العصر الحديث" [14] حيث حددا اتجاهات التفسير في مصر في الاتجاه العلمي، والأدبي، والاجتماعي، ويكفي أن نشير هنا إلى كتاب فهد الرومي "اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر"، لندرك مدى تأثير تصنيف جانسن والشرقاوي شكلاً ومضموناً على هؤلاء الدارسين، ولو كان هذا التأثير قد أتى عن طريق غير مباشر غالباً.

وفي المقابل، فإنه يمكن تقديم الملاحظات النقدية التالية على الكتاب:

ميل المؤلف الواضح إلى الإيجاز والاختصار الشديدين، فموضوع كبير ومتشعِّب مثل هذا الموضوع يستحق معالجة أكبر من المعالجة الموجزة والمكثفة التي قدَّمها المؤلف في أقل من مائة صفحة. وافتقار الكتاب إلى التحليل والنقد في معظم الحالات، بالإضافة إلى لجوئه إلى الإجمال والتعميم المتسرع في كثير من الحالات، ونظرته السلبية العامة إلى جهود المفسرين في هذه الفترة حيث وصفهم بالجمود والتقليد في أكثر من موضع دون أن يذكر لنا سببا مقنعا لما وصفهم به ما عدا أنهم حافظوا على التراث التفسيري القديم، وتمسكوا به، على الرغم من أن هذه المحافظة بحد ذاتها لا يمكن أن تكون دليل اتهام لأحد، بل قد تكون أحياناً علامة أصالة وتواصل مع الذاكرة الجمعية الإسلامية التي تحفظ للمسلمين وحدتهم ووجودهم عبر الزمان والمكان. هذا بالإضافة إلى أن المؤلف كان جريئاً في ذكر تقييمات كثيرة دون أن يكلف نفسه عناء إثباتها بطريقة علمية منهجية.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015