أحدهما:

أن يَكُونُ دَلِيلًا، وَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ تَبْرَأُ بِالْأَكْثَرِ إِجْمَاعًا، وَفِي الْأَقَلِّ خِلَافٌ، فَلِذَلِكَ جَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَدَدَ أَكْثَرُ مَا قِيلَ.

الثَّانِي:

لَا يَكُونُ دَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ مِنَ الْخِلَافِ دَلِيلٌ. انْتَهَى1.

وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَخْذَ بِأَقَلِّ ما قيل مُتَرَكِّبًا مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ الْأَخْذَ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ.

قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَإِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا أَمْكَنَ ضَبْطُ أَقْوَالِ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَحَكَى قَوْلًا بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِأَكْثَرِ مَا قِيلَ، لِيَخْرُجَ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ.

وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي التَّقْدِيرِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الْأَدِلَّةِ فَفَرْضُ الْمُجْتَهِدِ "أَنْ يَأْخُذَ"* بِمَا صَحَّ له منها، مع الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إِنْ أَمْكَنَ، أَوِ التَّرْجِيحِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْخَارِجَةَ مِنْ مَخْرَجٍ صَحِيحٍ، الْوَاقِعَةَ غَيْرَ مُنَافِيَةٍ لِلْمَزِيدِ مَقْبُولَةٌ، يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهَا، وَالْمَصِيرُ إِلَى مَدْلُولِهَا، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي التَّقْدِيرِ بِاعْتِبَارِ الْمَذَاهِبِ، فَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَ "الْمُجْتَهِدِ"** بِمَذَاهِبِ النَّاسِ، بَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِاجْتِهَادِهِ، وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ نَظَرُهُ، من الأخذ بالأقل، أو بالأكثر، أَوْ بِالْوَسَطِ.

وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، بَلْ هُوَ أَسِيرُ إِمَامِهِ فِي جَمِيعِ "مَسَائِلِ"** دِينِهِ، وَلَيْتَهُ لَمْ يَفْعَلْ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْكَلَامَ فِي التَّقْلِيدِ فِي الْمُؤَلَّفِ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ "أَدَبَ الطَّلَبِ"2، وَفِي الرِّسَالَةِ الْمُسَمَّاةِ "الْقَوْلَ المفيد في حكم التقليد"3.

وَكَمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَخْذِ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ، كَذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْأَخْذِ بِأَخَفِّ مَا قِيلَ، وَقَدْ صَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} 4 وَقَوْلِهِ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} 5 وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بعثت بالحنيفية السمحة

طور بواسطة نورين ميديا © 2015