قَالَ الْقَرَافِيُّ: هِيَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ وَيَقْعُدُونَ بِالْمُنَاسَبَةِ، وَلَا يَطْلُبُونَ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ، وَلَا نَعْنِي بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِلَّا ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: إِنْ كَانَتْ مُلَائِمَةً لِأَصْلٍ كُلِّيٍّ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ، أَوْ لِأَصْلٍ جُزْئِيٍّ، جَازَ بناء الأحكام عليها، وإلا فلا.
وحكاه ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْوَجِيزِ" عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ الْحَقُّ الْمُخْتَارُ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: ذَهَبَ الشافعين وَمُعْظَمُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى "اعْتِمَادِ"* تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، بِشَرْطِ "مُلَائَمَتِهِ"** لِلْمَصَالِحِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْأُصُولِ.
الرَّابِعُ: إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً، قَطْعِيَّةً، كُلِّيَّةً، كَانَتْ مُعْتَبَرَةً، فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ تُعْتَبَرْ، وَالْمُرَادُ بِالضَّرُورِيَّةِ أَنْ تَكُونَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ1، وَبِالْكُلِّيَّةِ أَنْ تَعُمَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، لَا لَوْ كَانَتْ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ دُونَ حَالَةٍ، وَاخْتَارَ هَذَا الْغَزَالِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ، وَمَثَّلَ الْغَزَالِيُّ لِلْمَصْلَحَةِ الْمُسْتَجْمِعَةِ "الشَّرَائِطِ"*** بِمَسْأَلَةِ التُّرْسِ؛ وَهِيَ مَا إِذَا تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا رَمَيْنَا قَتَلْنَا مُسْلِمًا مِنْ دُونِ جَرِيمَةٍ مِنْهُ، وَلَوْ تَرَكْنَا الرَّمْيَ لَسَلَّطْنَا الْكُفَّارَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَقْتُلُونَهُمْ، ثُمَّ يَقْتُلُونَ الْأَسَارَى الَّذِينَ تترسوا بهم، فحفظ المسلمين بقتل مَنْ تَتَرَّسُوا بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَقْرَبُ إِلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ "الشَّارِعَ"**** يَقْصِدُ تَقْلِيلَ الْقَتْلِ، كَمَا يَقْصِدُ حَسْمَهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، فَحَيْثُ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى الْحَسْمِ، فَقَدْ قَدَرْنَا عَلَى التَّقْلِيلِ، وَكَانَ هَذَا الْتِفَاتًا إِلَى مَصْلَحَةٍ، عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهَا مَقْصُودَةً لِلشَّرْعِ، لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ، بَلْ بِأَدِلَّةٍ خَارِجَةٍ عَنِ الْحَصْرِ وَلَكِنَّ تَحْصِيلَ هَذَا الْمَقْصُودِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ لَمْ يُشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ "مُعَيَّنٌ"*****، فَيَنْقَدِحُ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ بِالْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ كَوْنُهَا ضَرُورِيَّةً، كُلِّيَّةً، قَطْعِيَّةً، فَخَرَجَ بِالْكُلِّيَّةِ ما إذا أَشْرَفَ جَمَاعَةٌ فِي سَفِينَةٍ عَلَى الْغَرَقِ، وَلَوْ غَرِقَ بَعْضُهُمْ لَنَجَوْا، فَلَا يَجُوزُ تَغْرِيقُ الْبَعْضِ، وَبِالْقَطْعِيَّةِ مَا إِذَا شَكَكْنَا فِي كَوْنِ الْكُفَّارِ يتسلطون عند عدم رمي الترس "وبالضرورية مَا إِذَا تَتَرَّسُوا فِي قَلْعَةٍ بِمُسْلِمٍ فَلَا يَحِلُّ رَمْيُ التُّرْسِ"****** إِذْ لَا ضَرُورَةَ بِنَا إلى أخذ القلعة.