وَاحْتَجَّ الْقَاضِي لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ1 بِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِإِحْدَاهَا أَجْزَأَ، وَلَوْ أَخَلَّ بِهَا عَصَى، وَأَنَّ الْعَزْمَ يَقُومُ مَقَامَ الْفِعْلِ فَلَا يَكُونُ عَاصِيًا إِلَّا بِتَرْكِهِمَا.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الطَّاعَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالْفِعْلِ بِخُصُوصِهِ، فَهُوَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ؛ فَوُجُوبُ الْعَزْمِ لَيْسَ مُقْتَضَاهُ.
وَاسْتَدَلَّ الْجُوَيْنِيُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْوَقْفِ بِأَنَّ الطَّلَبَ مُتَحَقِّقٌ، وَالشَّكَّ فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ فَوَجَبَ الْفَوْرُ لِيَخْرُجَ عَنِ الْعُهْدَةِ بيقين.
واعترض عَلَيْهِ: بِأَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ لَا يُلَائِمُ مَا تقدم له مِنَ التَّوَقُّفِ فِي كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْفَوْرِ وَأَيْضًا وُجُوبُ الْمُبَادَرَةِ يُنَافِي قَوْلَهُ الْمُتَقَدِّمَ، حَيْثُ قَالَ: أقطع بأن المكلف مهما أتى بالمأمور به فهو موقع بحكم الصيغة للمطلوب.
واعتراض عَلَيْهِ أَيْضًا: بِأَنَّ التَّأْخِيرَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، بَلِ التَّأْخِيرُ جَائِزٌ حَقًّا لِمَا تَقَدَّمَ2 مِنَ الْأَدِلَّةِ، فَالْحَقُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنه لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِفَوْرٍ وَلَا تَرَاخٍ، وَلَا يُنَافِي هَذَا اقْتِضَاءُ بَعْضِ الْأَوَامِرِ للفور كقول القائل: اسقني أطعمني فإنما ذلك من حيث إن مِثْلَ هَذَا الطَّلَبِ يُرَادُ مِنْهُ الْفَوْرُ فَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلَى إِرَادَتِهِ بِهِ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي مِثْلِ هَذَا إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْأَوَامِرِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَى خُصُوصِ الْفَوْرِ أَوْ التراخي كما عرفت.