هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَيَكُونُ مَا رَوَاهُ بهذه الصيغة حُجَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَتَأَمَّرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ غَيْرَهُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً وَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّفْصِيلِ لِمَا عَرَفْنَاهُ مِنْ ضعف احتمال كون الآمر "أو"1 الناهي غَيْرَ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي "شَرْحِ الْإِلْمَامِ"2 قَوْلًا خَامِسًا وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِ قَائِلِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَعُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فَيَكُونُ حُجَّةً وَبَيْنَ كَوْنِ قَائِلِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً ولا وجه لهذا أيضًا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّحَابِيَّ إِنَّمَا يُورِدُ ذَلِكَ مَوْرِدَ الِاحْتِجَاجِ وَالتَّبْلِيغِ لِلشَّرِيعَةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا التَّكْلِيفُ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ وَيَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَيُرِيدَ غَيْرَ رَسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ غَيْرِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ الصَّحَابِيُّ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّ لَهَا حُكْمَ الرَّفْعِ وَبِهَا تَقُومُ الْحُجَّةُ.
وَمِثْلُ هَذَا إِذَا قَالَ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ إِلَّا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى ابْنُ فَوْرِكٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الظَّاهِرِ وَإِنْ جَازَ خِلَافُهُ. وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى سُنَّةِ الْبَلَدِ وَسُنَّةِ الْأَئِمَّةِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ وَالْمَقَامُ مَقَامُ تَبْلِيغٍ لِلشَّرِيعَةِ إِلَى الْأُمَّةِ لِيَعْمَلُوا بِهَا. فَكَيْفَ يَرْتَكِبُ مِثْلَ ذَلِكَ مَنْ هُوَ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ؟ قَالَ الْكَرْخِيُّ وَالرَّازِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ إِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّ الْمُتَلَقِّيَ مِنَ الْقِيَاسِ قَدْ يُقَالُ إِنَّهُ سُنَّةٌ لِاسْتِنَادِهِ إِلَى الشَّرْعِ، وَحَكَى هَذَا الْجُوَيْنِيُّ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ إِطْلَاقَ السُّنَّةِ عَلَى مَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقِيَاسِ مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْوَقْفَ وَلَا وَجْهَ لَهُ. وَأَمَّا التَّابِعِيُّ إِذَا قَالَ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا فَلَهُ حُكْمُ مَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ هَذَا أَرْجَحُ مَا يُقَالُ فِيهِ وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ "أَرَادَ"3 مَذَاهِبَ الصَّحَابَةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ العمل في عصرهم خلاف الظاهر، فإن