ثَانِيهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَى الرَّاوِي التُّهْمَةُ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْخَبَرَ إِذَا كَانَ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الرَّاوِي وَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ فَإِنْ كَانَ الرَّاوِي فَقِيهًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ فَقِيهٍ لَمْ يَجُزْ. قَالَهُ ابْنُ فَوْرَكٍ وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ.
وَرَابِعُهَا: إِنْ كَانَ الْخَبَرُ مَشْهُورًا بِتَمَامِهِ جَازَ الِاقْتِصَارُ مِنَ الرَّاوِي عَلَى الْبَعْضِ وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ لِأَبِي إِسْحَاقَ.
وَخَامِسُهَا: الْمَنْعُ مُطْلَقًا.
وَسَادِسُهَا: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ حُكْمًا مُتَمَيِّزًا عما قبله والسامع فقيه عالم بوجه التميز* فَيَجُوزُ الْحَذْفُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ قَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ: وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمُخْتَارُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مُسْتَقِلًّا بِمَفْهُومِ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ فِي مَاءِ الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" 1 فَيَجُوزُ لِلرَّاوِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى رِوَايَةِ إِحْدَى هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا وَلَكِنَّ ذِكْرَ الْمَتْرُوكِ يُوجِبُ خِلَافَ ظَاهِرِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُضْحِيَّةِ لِمَنْ قَالَ لَهُ لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا جَذَعَةٌ مِنَ الْمَعْزِ فَقَالَ: "تُجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ" 2 فَلَا يَجُوزُ الْحَذْفُ لِأَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ تُجْزِئُكَ لَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ.
هَذَا حَاصِلُ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وأنت خبير بأن كثيرًا من "الصحابة و"** التابعين وَالْمُحَدِّثِينَ يَقْتَصِرُونَ عَلَى رِوَايَةِ بَعْضِ الْخَبَرِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى رِوَايَةِ بَعْضِهِ لَا سِيَّمَا فِي الْأَحَادِيثِ الطَّوِيلَةِ كَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ3 وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَهُمْ قُدْوَةٌ لِمَنْ بعدهم