هَذَا الْكَافِرُ، وَالْجَامِعُ أَنَّ قَبُولَ الرِّوَايَةِ تَنْفِيذٌ لِقَوْلِهِ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مَنْصِبٌ شَرِيفٌ، وَالْكُفْرُ يَقْتَضِي الْإِذْلَالَ، وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْكَافِرُ جَاهِلٌ لِكَوْنِهِ كَافِرًا لَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ اسْمَ الْفَاسِقِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مُخْتَصٌّ بِالْمُسْلِمِ الْمُقْدِمِ عَلَى الْكَبِيرَةِ.
وَعَنِ الثَّانِي: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ الْكُفْرَ الْخَارِجَ عَنِ الْمِلَّةِ أَغْلَظُ مِنْ كُفْرِ صَاحِبِ التَّأْوِيلِ، وَقَدْ رَأَيْنَا الشَّرْعَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَمَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ هَكَذَا قَالَ الرَّازِيُّ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إِنْ عُلِمَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُبْتَدِعِ جَوَازُ الْكَذِبِ مُطْلَقًا لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ قَطْعًا، وَإِنْ عُلِمَ مِنْ مَذْهَبِهِ جَوَازُهُ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ كَالْكَذِبِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِ، أَوِ الْكَذِبِ فِيمَا هُوَ تَرْغِيبٌ فِي طَاعَةٍ، أَوْ تَرْهِيبٌ عَنْ مَعْصِيَةٍ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الْقَاضِيَانِ: أَبُو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ، وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ، لَا يُقْبَلُ، قِيَاسًا عَلَى الْفَاسِقِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: يُقْبَلُ، وَهُوَ رَأْيُ الْجُوَيْنِيِّ وَأَتْبَاعِهِ.
وَالْحَقُّ: عَدَمُ الْقَبُولِ مُطْلَقًا فِي الْأَوَّلِ، وَعَدَمُ قَبُولِهِ فِي ذلك الأمر الخاص في الثاني، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ.
وَبَيْنَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَا يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ وَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُبْتَدِعُ لَا يَسْتَجِيزُ الْكَذِبَ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ:
رَدُّ رِوَايَتِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَدْ فَسَقَ بِبِدْعَتِهِ فَهُوَ كَالْفَاسِقِ بِفِعْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي:
أَنَّهُ يُقْبَلُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى1 وَالثَّوْرِيِّ2 وَأَبِي يُوسُفَ3