وانتهى الحديث من غير هَشاشة منه عليه، ولا هزّةٍ ولا أريحية، بل على اكفهرار الوجه، ونُبوّ الطَّرْف، وقلّة التقبُّل. وجرت أشياء أُخر، وكان عُقباها أنني فارقتُ بابه سنة سبعين وثلاثمائة راجعاً إلى مدينة السلام، بغير زادٍ ولا راحلة، ولم يعطني في مدّة ثلاث سنين درهماً واحداً، ولا ما قيمته درهم واحد. فاحمل هذا ما أردت.
ولما نالني منه هذا الحرمان الذي قصدني به، وأحفَظَني عليه، وجعَلني من بين جميع غاشية وِرْدِه فرداً، أخذت أتلافى ذلك بصدق القول عنه، في سوء الثّناء عليه، والبادي أظلم، وللأمور أسباب، وللأسباب أسرار، والغيب لا يُطّلع عليه، ولا قارع لبابه.
وسألت العماري عنه فقال: الرجل ذو خَلَّة، ولقد سأله ليلةً شيخ من خُراسان في الموسم عن قوله عزّ وجلّ: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ في الدُّنْيَا، وإِنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) ما مرتبة الصّلاح المذكور في الثاني من النبوّة الثابتة في الدنيا؟ فأضْرَب عن المسألة ودافع بصدرها، ولم يُجْرِ كلمةً فيها.
وسأله هذا الشيخ ليلةً أخرى عن قوله عزّ وجلّ: (وَوَاعَدْنا