فإن قيل: هو هُدى للكافر أيضاً، فكيف وقد ختم القصّة فقال: (إِنَّ الذِينَ كَفَرواُ سَوَاءٌ عَليْهِم أَأنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) ، كيف يكون القرآن هدىً لمن كان سواءٌ عليه أَأُنذِر أم لم يُنذر.
ويقال: قال الله تعالى: (خَتَمَ اللهُ على قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ) ، فهل زال فرض بختمه على قلوبهم؟ فإن قالوا: لا، فقد كُلِّفوا أن يُبصروا الهدى وقد ختم الله على قلوبهم، وأزالوا الفرض عمن ختم الله على قلبه وعذروه بكفره، وحطُّوه بمنزلة الصَّبيّ والمجنون.
وإن أبوا أن يقال: لو شاء الله لم يُعصَ، لأن الله ذمّ الذين قالوا: (لَوْ شاءَ اللُه مَا أَشرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا ... ) ، قيل: فما تصنعون بقوله: (وَآتَيْنا عِيسى ابنُ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءِ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا) واقتتالهم معصية، ولو شاء الله ما عصوا بأن يمنعهم، إذ خلّى بينهم وبين معصيته؟ وما معنى قوله: (وَلكَنَّ اللهَ يَفعَلُ مَا يرِيدُ) .