واستغنى عنه وهذه أنواع من العذاب والآلام عظيمة تهجم عليه قبل الدفن ثم عند الدفن قد ترد روحه إلى الجسد لنوع آخر من العذاب وقد يعفى عنه ويكون حال المتنعم بالدنيا المطمئن إليها كحال من تنعم عند غيبة ملك من الملوك في داره وملكه وحريمه اعتمادا على أن الملك يتساهل في أمره أو على أن الملك ليس يدري ما يتعاطاه من قبيح أفعاله فأخذه الملك بغتة وعرض عليه جريدة قد دونت فيها جميع فواحشه وجناياته ذرة ذرهوخطوة خطوة والملك قاهر متسلط وغيور على حرمه ومنتقم من الجناة على ملكه وغير ملتفت إلى من يتشفع إليه في العصاة عليه فانظر إلى هذا المأخوذ كيف يكون حاله قبل نزول عذاب الملك به من الخوف والخجلة والحياء والتحسر والندم فهذا حال الميت الفاجر المغتر بالدنيا المطمئن إليها قبل نزول عذاب القبر به بل عند موته نعوذ بالله منه فإن الخزى والافتضاح وهتك الستر أعظم من كل عذاب يحل بالجسد من الضرب والقطع وغيرهما فهذه إشارة إلى حال الميت عند الموت شاهدها أولو البصائر بمشاهدة باطنة أقوى من مشاهدة العين وشهد لذلك شواهد الكتاب والسنة

نعم لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة ومعرفة الحياة بمعرفة حقيقة الروح في نفسها وإدراك ماهية ذاتها ولم يؤذن لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ يتكلم فيها ولا أن يزيد على أن يقول {الروح من أمر ربي} (?) فليس لأحد من علماء الدين أن يكشف عن سر الروح وإن اطلع عليه وإنما المأذون فيه ذكر حال الروح بعد الموت

ويدل على أن الموت ليس عبارة عن انعدام الروح وانعدام إدراكها آيات وأخبار كثيرة أما الآيات فما ورد في الشهداء إذ قال تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين} ولما قتل صناديد قريش يوم بدر ناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا فلان يا فلان يا فلان قد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فقيل يا رسول الله أتناديهم وهم أموات فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنهم لأسمع لهذا الكلام منكم إلا أنهم لا يقدرون على الجواب (?) فهذا نص في روح الشقي وبقاء إدراكها ومعرفتها والآية نص أرواح في الشهداء ولا يخلو الميت عن سعادة أو شقاوة وقال صلى الله عليه وسلم القبر إما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة (?) وهذا نص صريح على أن الموت معناه تغير حال فقط وأن ما سيكون من شقاوة الميت وسعادته يتعجل عند الموت من غير تأخير وإنما يتأخر بعض أنواع العذاب والثواب دون أصله

وروى أنس عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال الموت القيامة فمن مات فقد قامت قيامته (?) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَاتَ أحدكم عرض عليه مقعده غدوة وعشية إن كان من أهل الجنة فمن الجنة وإن كان من أهل النار فمن النار ويقال هذا مقعدك حتى تبعث إليه يوم القيامة (?) وليس يخفى ما في مشاهدة المقعدين من عذاب ونعيم في الحال وعن أبي قيس قال كنا مع علقمة في جنازة فقال أما هذا فقد قامت قيامته وقال علي كرم الله وجهه

طور بواسطة نورين ميديا © 2015